اعداد: انطوان شعبان

عندما نودي في السابع من آذار سنة 9191 بالامير فيصل ملكاً على سورية على اثر المؤتمر السوري في دمشق وما كان يرمي من الحاق لبنان بسورية، قاد حبيب باشا المعارضة اللبنانية، في وجه هذا الالحاق الذي يحرم لبنان من استقلاله «وقابل برفقة اعضاء مجلس الادارة الجنرال غورو واحتج لديه على مقررات المؤتمر السوري وارسل برقية الى رئيس الوفد اللبناني في مؤتمر الصلح في باريس المطران عبدالله خوري طالبا بموجبها الاحتجاج لدى مؤتمر الصلح والسلطات الفرنسية على هذه المقررات».
وبناء على موقف حبيب باشا المعارض للمقررات «قرر المجلس العرفي الدمشقي عندئذ اغتياله وعملت السلطات هناك على تحريض بعض العصابات المحلية على تنفيذ قرار الاغتيال، وعندما علموا بتاريخ 7 تشرين الاول بقدوم الباشا من بيت الدين الى داره في عين تراز عن طريق جسر القاضي، سعوا في اغتياله عند مروره بمنطقة المناصف فأطلقوا الرصاص عليه لكنهم لم يتمكنوا من اصابته بأي ضرر، فتابع طريقه الى عين تراز حيث وجد شقيقه فؤاد مصابا باوجاع شديدة فقرر في الحالة نقله الى بيروت عن طريق بحمدون، غير ان العصابات المدفوعة لقتله قررت مداهمة داره في عين تراز ليل 7 ـ 8 تشرين الاول 9191 وتمكنوا من الدخول اليه، ودارت اشتباكات بين اهالي البلدة والعصابات المتمركزة في الدار، واسرع بعض الاهالي في التوجه الى القرى المجاورة، فقرعت الاجراس وهب الاهالي باسلحتهم الى عين تراز من كل جانب، فاضطر رجال العصابة الى الفرار، غير ان فريقا من الشبان الاشداء منهم يوسف شاهين بوسلوان مختار رشميا السابق، تعقّبوهم وتمكنوا من القبض على بعضهم والعودة بهم مكبلين الى عين تراز...»
وكان لهذا «الاعتداء صدى استنكار بعيد في جميع انحاء البلاد فتوافد على الباشا جمع غفير من اصحاب السلطات السياسية والدينية.. يتفقدونه معربين عن استيائهم مما حصل».
وفي آذار 9191 وجه المفوض السامي السيد جورج بيكو كتابا الى رئيس الجمهورية الفرنسية طالبا منه منح حبيب باشا وسام جوقة الشرف، «ولم يمر سوى بضعة ايام حتى وافقت الحكومة الفرنسية على اقتراح السيد بيكو فارسلت الى الباشا وسام جوقة الشرق من رتبة ضابط.. فكان حبيب السعد اول لبناني منح هذا الوسام في عهد الانتداب».
} الباشا يعارض سياسة الانتداب }
لكن وطنية الباشا حتّمت عليه ان يعارض الفرنسيين على رغم علاقته الودية معهم، عندما «طغى عدد الموظفين الفرنسيين على الادارة وتدخلوا في جميع شؤونها واستأثروا بالامر كبيرا كان ام صغيرا، فصدر عن مجلس الادارة قرار رقمه 4031 بتاريخ 9/2/9191 وفيه احتجاج على تجاوزات المفتشين والمراقبين والمعتمدين الفرنسيين في الادارة.. وقد تبع هذا القرار بعد فترة بضعة اشهر قرار آخر بتاريخ 91/11/9191 بالمعنى نفسه».
وعندما عيّن مجلس الادارة لجنة اوكل اليها مهمة وضع القانون الاساسي، ودار النقاش حول جنسية رئيس الجمهورية، انحاز الباشا الى الرأي القائل بضرورة ان يكون رئيس الجمهورية لبنانيا. وهنا يقول الاستاذ يوسف السودا في الجزء الاول من كتابه «في سبيل الاستقلال» في الصفحة 752: «وقد ايّد فكرة ان يكون رئيس الجمهورية فرنسيا داود عمون في مقال في جريدة البرق بتاريخ 22 حزيران، جاء فيه انه يرى ان يكون الحاكم او رئيس الجمهورية من رجال الدولة المحتلة في السنوات الخمس الاولى فقط نظرا لصعوبة اتفاق الطوائف على رجل منها وبالتالي لغياب من يليق بهذا المنصب من اللبنانيين». وتابع السودا قائلا: «وكان بينه وبين حبيب باشا السعد رئيس المجلس خلاف في الرأي بهذا الموضوع، لان الباشا يرى لبنان اهلاً لان يحكم نفسه مستقبلاً».
وفي 01/7/0291، اتخذ مجلس الادارة قرارا يطالب باستقلال لبنان التام المطلق وبحياده السياسي، وإعادة المسلوخ منه سابقا بموجب اتفاق يتم بينه وبين حكومة سوريا... فأمرت السلطات الفرنسية بتوقيف عدد من اعضاء مجلس الادارة، و«قد كان لحبيب باشا موقف جريء ساعد فيه زملاءه اعضاء المجلس وافسح لهم المجال للدفاع عن انفسهم...».
وفي عهد الانتداب عين المفوض السامي الجنرال غورو حبيب السعد عضوا في اللجنة الادارية، لكنه اوعز الى اعضائها السبعة عشر انتخاب داود عمون رئيسا لها في 4/01/0291، نظرا لمواقف حبيب باشا الوطنية الآنفة الذكر.
وفي 6/01/0291 قدم الباشا استقالته من عضوية اللجنة الادارية، فقبلت «وبعد بضعة ايام عينت السلطات الفرنسية نعوم لبكي خلفا لحبيب باشا في اللجنة الادارية».
} الباشا رئيساً للمجلس النيابي
وشورى الدولة والنظار والشيوخ }
وفي 12 ايار من سنة 2291 «انتخب اول مجلس نيابي وكان حبيب باشا من المنتخبين عن منطقة جبل لبنان التي كانت تضم الشوف والمتن وكسروان وجبيل (...) ثم انتخبه المجلس رئيسا بأكثرية 82 صوتا ضد صوتين. واعيد انتخابه لسنة جديدة في شهر تشرين الاول 2991».
وفي السادس من ايلول سنة 4291 «انشئ مجلس شورى الدولة. وعين حبيب باشا اول رئيس له بعد ان قدم استقالته من المجلس النيابي».
وفي 2 كانون الثاني من سنة 5291 «عيّنه السيد كايلا حاكم لبنان الفرنسي، امين سر عام ورئيسا للنظار، فكان في وظيفته تلك بمقام رئيس مجلس الوزراء في هذا العهد». وفي فترة توليه هذا المنصب «ساعد على إنشاء القنّاصة اللبنانية لتعاون في اعداد وسائل الدفاع عن لبنان، وكانت له اليد الطولى في وضع النص الاساسي للدستور اللبناني».
وفي 32 ايار 6291 اعلن المفوض السامي هنري دي جوفنيل الدستور اللبناني الجديد، واصدر قرارا بتعيين اعضاء مجلس الشيوخ الستة عشر. وفي الخامس والعشرين من ايار اجتمع الاعضاء المعينون وانتخبوا حبيب باشا رئيسا لهم».
وفي تشرين اول من العام 6291 جدد اعضاء مجلس الشيوخ انتخاب حبيب باشا رئيسا للمجلس، لكنه تنازل عن الرئاسة لصالح الشيخ محمد الجسر حفظا للتوازن الطائفي، «فاستقال الباشا من الرئاسة بارتياح تام وانتخب المجلس لهيئته الجديدة بالاجماع الشيخ محمد الجسر رئيسا والباشا نائبا للرئيس».
وفي 71 تشرين الاول 7291 «عدّل الدستور وألغي مجلس الشيوخ وتمّ ضم اعضائه الى المجلس النيابي وانتخب الشيخ محمد الجسر رئيسا وحبيب باشا السعد نائبا للرئيس».
وفي التاسع من آب 8291 «تألفت الوزارة الرابعة في عهد الرئيس شارل دباس، وعيّن حبيب باشا رئيسا لها ووزيرا للعدلية».
وفي اواخر ايار 9291 «انتهت مدة المجلس النيابي الثاني المنتخب سنة 5291، وعدل قانون الانتخاب بجعل عدد النواب اربعين نائبا، خمسة وعشرين منهم منتخبون وخمسة عشر معينون من قبل السلطة المنتدبة، كان احدهم حبيب باشا».
} حبيب باشا رئيساً للجمهورية }
وفي 2 كانون الثاني من سنة 4391 «عيّن حبيب باشا رئيسا للجمهورية لمدة سنة».
وفي اول شباط من سنة 5391 «جددت رئاسة الجمهورية لحبيب السعد سنة اخرى، فاستقبل اللبنانيون مقيمين ومغتربين هذا التجديد بالمسرّة، انهم رأوا البلاد قد رفعت طوال هذه السنة التي مرت وهو على رأس الدولة، في ظل الهدوء والسكينة».
} .. والاخير }
وفي 03/1/6391 «انتهت رئاسة حبيب باشا فغادر الكرسي مشيّعا بالاجلال بعد ان شغله عامين كان فيهما مثال الحاكم العادل والرئيس الامين...».
وبعد ظهر الثلثاء 5 ايار من سنة 2491 انتقل الباشا الى رحمة الله في داره في بيروت وصلي على جثمانه في كاتدرائية القديس جرجس المارونية وأودع الثرى في مقبرة رأس النبع.