بعد تحالفهما «المسرحي» المتأرجح... غزل الحريري ــ باسيل الظرفي أنهته المصالح

تراكمات مُتشعّبة من التسوية الى التدّخلات والكهرباء والتعيينات والنازحين والإستقالة

لطالما وُصف رئيس التيار الوطني الحر الوزير السابق جبران باسيل بالسياسي المُشاكس «يللي ما عندو صاحب»، لانه رجل التسويات الظرفية بحسب ما يؤكد خصومه وما اكثرهم، فهو يتنقل من باب الحلفاء بفترة وجيزة الى باب الخصوم وبالعكس، فتراه احياناً يُطلق الغزل السياسي في اتجاه بيت الوسط، ثم ينقله الى عين التينة، بعدها وإن بصعوبة الى معراب وبنشعيّ، ثم يعود الى موقعه سالماً ضارباً يعرض الحائط كل الغزل الذي وزعّه يميناً وشمالاً.

«لا احد يفهم على رئيس التيار» هكذا يُردّد الخصوم، وفي طليعتهم اليوم نواب المستقبل، ويصفون دروب باسيل بالصعبة مع أي كان، ومن ضمنها العلاقة الصعبة التي كانت متأرجحة بين زعيمهم رئيس الحكومة الاسبق سعد الحريري والوزير السابق باسيل، اذ بدأت صعوبتها منذ لحظة عودة العماد ميشال عون الى لبنان في ايار 2005، حينها وُصفت العودة بالتسونامي، اذ لم تكن الكيمياء موجودة بين الرجلين ومن ثم امتد غيابها بقوة الى باسيل، فلم يكن هنالك أي علاقة وّد بل مناوشات وتناحرات على جبهات عدة، تخللها خلافات على الملفات في الحكومات المتعاقبة، حتى اتت مرحلة ما قبل التسوية الرئاسية، وإنتقال الحريري من ضفة رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، الذي كان مرشحاً للرئاسة ومدعوماً من الخصم السابق سعد الحريري، وحين سار الاخير على درب معراب التي إرتأت وصول العماد عون الى الرئاسة، من خلال الاتفاق الشهير الذي وُقّع في معراب في كانون الثاني 2016، من ثم إنضم الحريري الى الضفة القواتية، فإلتقيا على درب التيار الوطني الحر، وحينها بدأ الغزل السياسي الطويل بين الحريري وباسيل، الذي لطالما مّر بطلعات ونزلات ايجابية افضت الى تحالفات ودعم انتخابي، حين دعا الحريري انصاره للتصويت لباسيل للانتخابات النيابية ، معلناً ان العلاقة سمنة وعسل من الصعب إختراقها. لكن وكما اعتادت السياسة في لبنان فهي لا تدوم، فكيف اذا كانت مع رئيس التيار الوطني الحر الذي يعادي الجميع؟، بحسب ما يصفه الحلفاء والخصوم معاً اذ لم «يفلت» منه احد بحسب تعبير احد النواب الخصوم.

فمن التناحرات على طاولة مجلس الوزراء بدأت الحكاية، لتمّر بالملفات العالقة وعدم تجاوب باسيل معها، بسبب «نقزاته» منها كما يقول العونيون الذين لا يثقون بالحريري، فيما الاخير يعتبر بأن العهد وباسيل انقلبا على التسوية، ويتهم الاخير بأنه يقف بالمرصاد دائماً لمن لا يعبر من خلاله، وتحديداً من مّمر ميرنا الشالوحي المقر العام للتيار، اذ كان على جبران ان يعرف بكل شاردة وواردة وألا لن تمّر الامور على خير ما يرام.

} بطاقات صفراء وبطاقات حمراء }

من هذا المنطلق كان يضع باسيل البطاقات الصفراء في وجه الحريري، الذي بدوره لجأ الى البطاقات الحمراء ليضعها في وجه باسيل، من هنا بدأ الصراع المعلن وغير المعلن في كواليس التيارين، والذي «بجّ» اخيراً ليقضي على شعرة معاوية التي كانت موجودة، فإذا بالعلاقة تتحوّل الى قطيعة، وإن كان الطرفان يمتنعان عن وصفها بهذه الكلمة، فيما الحقيقة مغايرة وهذا هو الواقع بحسب زوار «بيت الوسط»، الذين يتحدثون عن مسار طويل من العلاقة الملتبسة بين الرجلين، وينقلون بان باسيل لم يفهم الا على نادر الحريري خصوصاً حين توّلى منصب مدير مكتب الرئيس الحريري، فحصل التواصل ليتحوّل الى اكثر من ذلك، فمنهم مَن وصف العلاقة بينهما بالتجارية من خلال كسب صفقات، ومنهم َمن اعتبر بأن الكلام مُبالغ فيها، لكن الطرفين نفيا حصول أي صفقة او تعاون تجاري - اقتصادي، بل علاقة سياسية وصداقة متينة فاجأت الجميع، فحوت العديد من الخبايا كما يقول المطلّعون على علاقة الرجلين.

الى ذلك ووفقاً لمصادر المستقبل، فإن تأرجح العلاقة الحريرية - الباسيلية نحو السلبية، بدأت مع طيف باسيل الحاضر دائماً خلال لقاءات الاول مع رئيس الجمهورية، اذ كان باسيل الآمر الناهي في كل الملفات، مع كل ما يرافقه من اسرار وألغاز لم يفهم عليها رئيس تيار المستقبل، حتى وصلت الامور الى كل المواضيع والقضايا، مروراً بالتسوية التي إهتزت مراراً من دون ان تسقط، اما اليوم فقد سقطت و«كترّت» كما قالوا، لان هنالك من يعمل من تحت الطاولة، غامزين من قناة رئيس التيار الوطني الحر الذي لم نثق به يوماً، لان العلاقة لم تكن في أي مرة على خير ما يرام بين التيارين الازرق والبرتقالي، لان التيار كان يلجأ دائماً الى نظرية «الغاية تبرّر الوسيلة»، مما يعني ان لا ثقة بهم، فضلاً عن مقولة يكرّرونها يومياً وهي العهد القوي، فيما الواقع يؤكد بأنه العهد الاضعف الذي عرفه لبنان منذ عقود، في ظل الاوضاع المتدهورة التي نعيشها على كل الاصعدة.

وتعتبر مصادر المستقبل بأن باسيل تجاوز صلاحياته دائماً، كما تدخّل في صلاحيات غيره لا بل تجاوزها مراراً، من خلال تحديد معايير تشكيل الحكومة، والتدخل في إختيار أسماء كل الوزراء ووضع شروط علنية لمعايير تكليف الرئيس الحريري في كل مرة، أي ان تراكمات متشعّبة من التسوية الى التدّخلات والكهرباء والتعيينات، إضافة الى أزمة النازحين التي فجّرت الخلاف، بعد ان حذر باسيل في خطاباته من تداعيات هذا الملف، كما ان تهديداته العلنية بالنهر الجارف الآتي قريباً وغيره من الكلام المرفوض من قبل كل الجهات السياسية زاد الطين بلّة. فضلاً عن الكلام حول استعادة حقوق المارونية السياسية بعدما أتت السنيّة السياسية على جثتها، والحديث عن اتفاق الطائف ومحاولات تعديله، كلها اطلقت العنان للخلافات القوية بين التيارين.

} علوش: باسيل مستفز }

لكن ماذا عن الخلافات غير المعلنة؟، يشير في هذا الاطار القيادي في تيار المستقبل النائب السابق مصطفى علوش في حديث لـ«الديار»، الى ان ابرز الاسباب تعود الى محاولات باسيل الدائمة والمتكررة للهيمنة على القرار الحكومي والتسلّط والتعطيل، معتبراً بأن سياسة الوزير باسيل هي التي ادت الى تدهور الامور ضمن الخيارات التي كانت تطرح، وقال: «حين دخل الرئيس الحريري في التسوية اعتقد انه من خلال علاقته مع رئيس الجمهورية ميشال عون سيستطيع ضبط الامور مع باسيل، لكن تبيّن له ان عون يحيل دائماً القضايا الى باسيل، فيما إعتقد الحريري بأن الرئيس عون سيكون حكماً، لكن تبيّن لاحقاً اما انه موافق على ما يقوم به باسيل او خاضع له.

ولفت علوش الى ان إستفزازية باسيل الدائمة للقواعد الشعبية التابعة لتيار المستقبل إتخذت طابعاً طائفياً، لان باسيل كان يتحدث دائماً من هذا المنطلق ويثير النعرات من خلال عبارة «إستعادة الحقوق»، لكن ما قضى على شعرة معاوية بين الحريري وباسيل هو ملف الكهرباء، وما تبعه من خيارات من ضمنها تحويل محطة عرمان الى الغاز الطبيعي، ولم يُفهم بعد لماذا لم تتحول، فضلاً عن محطتي الزهراني وسلعاتا وإيقاف الخطط من قبل باسيل، معتبراً بأن شخصية الاخير لا يمكن تحمّلها بأي طريقة، واصفاً باسيل بـ«تقيل الظل» القادر على جعل كل الناس تنفر منه، فيما الحريري يحوي شخصية هادئة، لكنه كان دائم الانزعاج من باسيل الذي لم تكن تفارقه عبارتا: «بس ولكن»، فكان يردّدهما باسيل في كل الامور، ليُعرقل ويُخرّب كل شيء، بهدف تأجيل كل الملفات وعودتها الى نقطة الصفر، لانه يصّر دائماً على الهيمنة والسيطرة على حكم مجلس الوزراء.

ورداً على سؤال حول ما الذي بقي من التسوية، قال علوش: «نصليّ ونتمنى دائماً ان تنتهي واعتقد انها انتهت، لان عون لم يستطع عملياً المحافظة على بنود التسوية او ان يكون حكماً ضمنها».

وحول إمكانية ان تعود المياه الى مجاريها بين التيارين، اشار الى انه في السياسة لا يوجد شيء نهائي، فبهدف تأمين الاستقرار في البلد فنحن مستعدون للتفاهم لان هذا هو هدفنا، فالتيار الوطني الحر موجود ولديه شعبية على الارض، لكن المهم ان ينتهي الفكر المعوّج الفاسد لديهم، وحين تبرز شخصيات ضمن تيارهم قادرة على تخطيّ الفكر التافه المنطلق من التطرّف، وتقبّل الرأي الآخر، أي المطلوب تغيّير المواقف من قبلهم فحينئذ يتغيّر وضع العلاقة الى الاحسن بالتأكيد.

} ديب: من حوّل الاموال الى الخارج

هم من محيط الحريري }

وعلى خط التيار الوطني الحر، يعتبر نائبه حكمت ديب في حديث لـ«الديار» بأن اسباب الخلافات واضحة بين الرجلين، ولا يوجد شيء خفي في اطارها، وابرزها هروب الحريري من المسؤولية في ظرف دقيق، خصوصاً انه لم يكن يوحي بأجواء الاستقالة، فهو وضع الورقة الاصلاحية والخطط، فيما النتيجة انه إستقال حتى من عملية تصريف الاعمال في وقت عصيب جداً، لافتاً الى ان الحريري لم يتحمّل مسؤولياته في هذه الظروف.

وعن مدى بقاء ملامح للتسوية في ظل ما يجري، قال: «اليوم نحن في مكان آخر، فظروف البلد صعبة وهنالك سلسلة تغيرات بعد الحوادث التي جرت في الشارع، وحكومة جديدة نالت الثقة اعطيناها فرصة لتقوم بعمليات الانقاذ المطلوبة، واعتقد بأن الاجراءات التي ستتخذها ستحّد من الازمة الحالية، وبالتالي فالامور تحتاج الى وقت، على امل ان تحل المواضيع المالية والمصرفية والنقدية والاقتصادية لان هذا هو المهم اليوم، لذا سنساعد الحكومة الجديدة على تحقيق مشاريعها لتحسين اوضاع البلد وانتشاله من الهاوية».

ورأى ديب بأن الحريري لم يكن على مستوى هذه المرحلة، لانه ليس الرجل المناسب لها في هذه الظروف، فتجربتنا معه مريرة، من هنا نقول «لكل ضارة نافعة». واشار من ناحية اخرى الى ان من حوّل الاموال الى الخارج هم من محيط الحريري والمقرّبين منه، في الاطارين المصرفي والمالي وكل ما يُحكى في هذا الاطار صحيح.

وحول عدم دعوة رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر الى ذكرى 14 شباط التي تقام اليوم في بيت الوسط، ختم: «دعوته وعدم دعوته لنا تعطي النتيجة عينها، لكن نقول له: تذكّر ما فعله رئيس الجمهورية من اجلك حين كنت محتجزاً في السعودية، والتاريخ شاهد على ذلك وسوف يذكّرك بتلك المرحلة».

من هذا المنطلق لا بدّ من الاشارة الى ما وصلت اليه الاوضاع الحكومية بين الطرفين، والتي باتت مرهونة بإيجاد مخرج لمسألة مشاركة الحريري وباسيل، ووضعهما للشروط والشروط المضادة لعودتهما سوياً او خروجهما سوياً، مما يعيق المشكلة الى ابعد الحدود، فالاول أخرج الثاني والثاني أخرج الاول من الحكومة، هذه هي المعادلة الصعبة التي لم تصل الى أي مكان يجمع الفريقين على طاولة مجلس الوزراء، مما يعني ان العشاق هذه المرة تفرّقوا عن حق وحقيقة.