ربما كان على أباطرة السياسة في بلادنا أن يقرأوا قول غوته «الزمن ليس حوذي الأغبياء، ولا حوذي... الأحصنة الهرمة»!

لسنا فقط في الدولة ـ الطائفة، أو في الدولة ـ القبيلة أو في الدولة ـ المافيا. نحن، أيضاً، في الدولة ـ السلحفاة. الآن اكتشفوا أن ثمة مشكلة في سندات اليوروبوندز. ندفع أو لا ندفع. كان يفترض معالجة المشكلة قبل أشهر كي لا نكون أمام الصدمة القاتلة، سواء دفعنا أم لم ندفع...

هكذا تحدث العالم السوسيولوجي الشهير بيار بورديو عن «مجتمعات ما بعد اللحظة الأخيرة». مجتمعات محكومة بالبقاء في قعر القرن. حدث الشيء نفسه في ملف القمامة، وفي ملف الخليوي، وفي ملف المرفأ. دائما المشكلة في اللحظة الأخيرة. ما بعد الأخيرة.

من أشهر، بل من سنوات، يشكو خبراء المؤسسات المالية الدولية، ليس من غياب الرؤية الاستراتيجية لدى الحكومات المتعاقبة، وانما من التعاطي السلحفاتي مع الأزمات التي تزحف كما الطوفان.

أثناء الاجتماع الأخير مع بعثة البنك الدولي، أكد الرئيس حسان دياب أن «هذه الحكومة لمعالجة كل أسباب وكل تداعيات، الأزمة لا للتعايش معها». ما تسرب من أجواء الاجتماع الذي طرحت فيه سلسلة من الخيارات، أن أعضاء البعثة لاحظوا صدقية الرجل، مقاربته المنهجية، والديناميكية، للأوضاع. التصميم على الاصلاح الهيكلي للخروج مما قبل الدولة الى الدولة.

أحد المستشارين الدوليين رأى أن اجتثاث الفساد في لبنان يحتاج الى معجزة. القضية لم تعد أخلاقية ولا انتقائية. هي قضية بيولوجية. اذا أردت أن تكون سياسياً في لبنان عليك أن تكون فاسداً. الطامة الكبرى اذا أردت أن تكون مواطناً في لبنان عليك أن تكون فاسداً. الفساد روح الدولة في لبنان. موت الفساد موت الدولة. كيف يمكن لبارونات الفساد أن يكافحوا الفساد؟ قد لا يكون من الواقعي توجيه أظافر الاتهام الى كل الكونسورتيوم الحاكم. ولكن أي ذريعة يمكن أن تعطى حين يكون أصحاب الأيدي النظيفة شركاء لأصحاب الأيدي القذرة؟

اعتلال فلسفي في الحالة اللبنانية. كنا قد استعدنا قول سفير فرنسي «لبنان ينتج اللبنانيين». الآن، يلاحظ الفرنسيون كيف أن اللبنانيين اياهم ينتجون أبشع اشكال الفساد. «اللوموند» كتبت عن فانتازيا الفساد.

ما من دولة خارج دول نصف الكرة الغربي تمتلك مثل تلك النخبة التي عندنا. بورديو حذر من أن تقع النخبة في «جاذبية البلاط». أدمغة كثيرة تحولت الى... أدمغة

عرجاء.

التراجيديا الكبرى أننا دخلنا العوز (ولطالما احترفنا ثقافة التسول)، وأزمتنا البنيوية، بل والوجودية، تتقاطع مع أزمات بنيوية، وربما وجودية، لدى الدول الثرية في المنطقة.

صندوق النقد الدولي حذر دول الخليج النفطية من «المخاطرة برؤية ثرواتها تتلاشى خلال 15 عاماً، مع تراجع الطلب على النفط وانخفاض الأسعار».

أرقام الصندوق صادمة. «صافي الثروات المالية في تلك الدول انخفض في غضون أربع سنوات (2014 ـ 2018 ) بأكثر من 300 مليار دولار، لترتفع الديون من قرابة 100 مليار دولار عام 2014 الى 400 مليار دولار عام 2018. النتيجة ان أثرى أثرياء الدنيا يتجهون الى الاقتراض.

ماذا نقول نحن اذاً، وهل فكرت المنظومة الحاكمة بوضع استراتيجية تتفاعل، بصورة رؤيوية، مع تلك الاحتمالات؟

من أطرف ما تناهى الينا في هذا الصدد سؤال توماس فريدمان ما اذا كانت هناك من حاجة «لاسرائيل» اذا ما عاد العرب الى الصحراء...

نخجل من اعادة قراءة ما قاله ابن خلدون في العرب، ونحن جزء منهم. المنطقة الى أرض يباب. هل يستطيع حسان دياب تركيب أجنحة للسلحفاة؟!