وهل تستطيع الإقلاع بالنهضة الإقتصادية وما هي الصعوبات والتسهيلات؟

المُحلّل الإقتصادي

نالت حكومة الرئيس حسان دياب ثقة المجلس النيابي بـ 63 صوتًا ومعارضة 20 صوتًا وإمتناع نائب واحد عن التصويت. وكانت الجلسة قد بدأت على مفاجأة من العيار الثقيل مع إفتتاح الرئيس نبيه برّي لجلسة الثقة من دون إكتمال النصاب القانوني وهو ما رأى فيه البعض أمراً غير دستوري ومخالف للنظام الداخلي لمجلس النواب. إلا أن نائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي قال في تصريح له أنه يحق لرئيس المجلس إفتتاح الجلسة إذا كان النواب موجودين داخل نطاق المجلس النيابي وهو ما حصل إذ أن رنّ الجرس يعني دعوة هؤلاء النواب إلى الإلتحاق بالقاعة العامة.

وكان محيط المجلس النيابي قد شهد مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوى الأمن في ساعات الصبح الباكرة قبل إنطلاق الجلسة النيابية حيث أطلقت قوى الأمن الغاز المسيل للدموع والمياه بإتجاه المتظاهرين الذين ردّوا برشق القوى الأمنية بالحجارة. هذه المواجهات تأتي على خلفية رفض المتظاهرين لحكومة الرئيس دياب.

وحاول المتظاهرون عرقلة وصول النواب والوزراء إلى الجلسة وحصلت بعض الصدمات مع عدد من الوزراء والنواب منهم الوزير دميانوس قطار، والنائب سليم سعادة الذي تمّ الإعتداء عليه مما إضطر نقله إلى المستشفى للمعالجة لكنه ما لبث أن عاد إلى المجلس النيابي لإلقاء كلمته.

وكانت حصيلة هذه المواجهات 300 جريح تمّ نقل 40 منهم إلى المستشفيات والباقون تمّت معالجتهم في أماكن الإصابة. وكان الجيش قد صرّح أن الشغب والتعدّي على الأملاك العام والخاصة يُشوّه مطالب المتظاهرين ودعاهم إلى الإلتزام بتوجيهات القوى الأمنية. إلا أن هذا لم يمنع بعض المتظاهرين من إحراق مصرف بلوم بنك ومواجهة القوى الأمنية أمام مبنى النهار في مشهد أقرب إلى الحرب.

الجلسة بدأت بإلقاء الرئيس حسان دياب للبيان الوزاري والذي حمل في مطلعه مؤشرات خطيرة تُنذر بتطورات سلبية إذ قال « نحن وأنتم نواجه اعتراضاً شعبياً ومخطئ من يعتقد أنه سينجو من أي انهيار، فلنتواضع جميعاً ولنعترف أن إعادة الثقة تكون بالأفعال».

ووجّهت بعض القوى السياسية المُعارضة الإتهام إلى نواب الحزب التقدمي الاشتراكي عبر تحميلهم مسؤولية تأمين النصاب للجلسة مما إستدّعى ردًا من رئيس الحزب الذي قال في تغريدة «جميل جدا على القوى السياسية التي تدّعي معارضتها لهذه الحكومة ان تترك اللقاء الديمقراطي وحيدا بتهمة تأمين النصاب والأمر غير صحيح والإعلام والوقائع شاهدة على ذلك. يا لها من مصادفة ان تلتقي تلك القوى مع كل من يريد تصفية حساباته معنا من اجل ان تبقى هي بريئة من دم الصديق».

الجدير ذكره أن نواب الجمهورية القوية كانوا متواجدين في قاعة من قاعات المجلس ولم يُريدون أن يتحمّلوا العبء السياسي لتأمين النصاب، لذا قاموا بإنتظار إكتمال النصاب وإنضمّوا لاحقًا للجلسة.

الجلسة إمتدّت حتى الساعة الرابعة بعد الظهر وعاودت عند الساعة السادسة مع توجّه واضح من قبل رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى إعطاء الثقة للحكومة خلال الفترة الثانية من الجلسة نظرًا إلى الأوضاع الأمنية خارج المجلس.

وبطلب من الرئيس برّي أن يكون هناك متكلم واحد أو إثنين بالحد الأقصى لكل كتلة نيابية، توالى على الكلام العديد من النواب الذين إنقسموا إلى قسمين: الأول هاجم الحكومة من دون رحمة والثاني ملّق الحكومة وعدد مزاياها مع إنتقاد العديد منهم لسياسة مصرف لبنان والتي عزاها مصدر مُطلع إلى هروب النواب من مسؤولية الرقابة على الحكومات السابقة.

وكان النائب جبران باسيل قد ألقى كلمة شدّد فيها على حماية المودعين الصغار وإعادة تنظيم القطاع المصرفي وإستعادة الأموال المنهوبة وإقفال المؤسسات المُكلفة وإجراء عملية تدقيق حسابية على مصرف لبنان وإطلاق مناقصات الكهرباء فوّرًا وإلغاء المولدات الخاصة. وأضاف أن الرهان على الحكومة لتقوم بما عجزت عنه الحكومات السابقة. من جهته أعلن النائب جورج عدوان أن المُشكلة ليست بالقوانين بل بعدم تطبيقها. وأضاف متوجّهًا إلى الرئيس حسان دياب أنه فوت فرصة كبيرة جدًا على الوطن وعلى المؤسسات وعلى شخص رئيس الحكومة من ناحية أنه لم يستطع تأليف حكومة مستقلين بل شكّل حكومة مُحاصصة. أمّا النائب ميشال ضاهر، فقدّ قال أنه إذا لم يحصل على تعهد من الحكومة بعدم دفع مُستحقات اليوروبوندز في أذار، فلن يمنحها الثقة. وطالب بوضع ضريبة 5% على الأرباح المبالغ فيها وخصوصًا الهندسة المالية مُصرّحًا أنه هو من أول المستفدين منها.

إنتهاء جلسة الثقة لم يُنه الإحتجاجات الشعبية، فقد تجمّع عدد من المتظاهرين على جسر الرينغ في محاولة لإقفال الطريق. إلا أن عديد الجيش المتواجد في المنطقة منعهم من ذلك.

} ماذا بعد نيل الثقة؟ }

بعد نيل الثقة، تتجه الأنظار نحو الحكومة الأصيلة لمعرفة ما هي الخطوات التي ستقوم بها وخصوصًا البنود الإقتصادية والمالية الواردة في البيان وقدرتها على الإقلاع بالنهضة الإقتصادية الموعودة؟

قطعت حكومة حسّان دياب الإختبار الدستوري الأخير بنيلها ثقة المجلس النيابي ولو أن هذه الثقة «هزيلة» كما قال بعض المحلّلين الذين يرون في هذه الثقة نقطة ضعف إضافية بالتوازي مع رفض الشارع والمُجتمع الدولي لهذه الحكومة. وهذا الأمر يجعل الحكومة ضعيفة أمام التحدّيات الراهنة خصوصًا الشقين المالي والإجتماعي.

فالسؤال الأساسي الذي يُطرح: ما هو قرار الحكومة في ما يخص إستحقاق أذار من سندات اليوروبوندز؟ على هذا الصعيد، تُشير المُعطيات إلى أن الحكومة تفتقد حتى اللحظة إلى خطّة واقعية لمواجهة هذا الإستحقاق من دون الطلب من مصرف لبنان أو من دون مساعدة صندوق النقد الدولي. وتُشير المعلومات إلى أن الرئيس نبيه برّي الذي يمتلك تأثيرًا مهمًا على هذه الحكومة خصوصًا أن وزير المال محسوب عليه، ضدّ طلب مساعدة مالية من صندوق النقد الدولي نظرًا إلى الشروط غير المالية التي قدّ تُفرض على لبنان. في حين أن توجّهات الرئيس حسان دياب وحتى وزير المال غازي وزني هي بإتجاه طلب مساعدة صندوق النقد الدولي.

وقراءة البيان الوزاري تؤدّي إلى إستنتاج أن هذا البيان لا يحوي (ولو على خطوط عريضة) عن كيفية مواجهة المُشكلة المالية بل يتوجّه بالدرجة الأولى إلى الإصلاحات وهو أمر جيدّ بالمطلق إلا أنه لا يحوي على الخطوات الأساسية لمواجهة المُشكلة المالية.

لذا من المُتوقّع أن تعمد حكومة الرئيس حسان دياب إلى طلب مساعدة تقنية في هذا الخصوص من قبل صندوق النقد الدولي على أن تقوم بتنفيذ توصياته لاحقًا.

وفي حين يظهر إلى العلن مخاطر عدم دفع إستحقاق أذار 2020 من سندات اليوروبوندز خصوصًا على صعيد مصادرة كل الأصول اللبنانية في الخارج، نرى أنه مع قصر الوقت حتى شهر أذار، ستقوم الحكومة بتطبيق خطة مصرف لبنان والتي تنصّ على إستبدال الدين الداخلي بإستحقاقات أطول وفائدة تُقارب الصفر على أن يتمّ سداد الإستحقاق الخارجي. ومن المتوقّع أن يتحمّل مصرف لبنان والمصارف اللبنانية كلفة العملية داخليًا.

الشق الثاني الذي لم يتمّ طرحه في البيان الوزاري لكنه سيكون موضوع الساعة في المرحلة المقبلة هو الشق الإجتماعي. فخفض الإستيراد (مع ما له من فوائد على ميزان المدفوعات) سيؤدّي إلى تخفيض النشاط الإقتصادي نظرًا إلى أن هذا الأخير يعتمد على الإستيراد في ظل غياب الإنتاج. وبالتالي ترتفع البطالة كل يوم وتقلّ مداخيل العمّال مما يعني زيادة الفقر ومعه فقدان القدرة على شراء المواد الغذائية المُستوردة والتي تُشكّل 85% من إجمالي الإستهلاك الغذائي! من هذا المُنطلق من المتوقّع أن تعمد الحكومة إلى الطلب من مصرف لبنان تسهيل عملية إستيراد المواد الغذائية في المرحلة المُقبلة نظرًا إلى غياب الإجراءات لتحفيز الإنتاج الغذائي الداخلي.

على صعيد الإصلاحات، من المتوقّع أن تقوم الحكومة بعدد من الخطوات المُهمّة نظرًا إلى أنها تزيد من رصيدها على الصعيد الداخلي والخارجي وتهدف إلى إستعادة الثقة من خلال هذا الباب. إلا أن السيطرة السياسية قد تُشكّل عائقًا على عمل الحكومة مع كل النوايا الطيبة التي يحملها أعضاؤها. على هذا الصعيد، يُشكّل ملف الأموال المُحوّلة بين 17 تشرين الأول 2019 وحتى الساعة التحدّي الأول لهذه الحكومة.

إلا أنه وفي ظل كل هذا الواقع، هناك نفحة أملّ في أن رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة يتمتّعون بمستوى فكري عالٍ يسمح لهم (ربما) بتخطّي الصعوبات الداخلية. ويبقى الشق السياسي الذي يفوق قدرات هذه الحكومة وخصوصًا المواجهة الأميركية مع محور المقاومة عقبة أساسية أمام هذه الحكومة ويطرح تساؤلات عديدة عن المنهجية التي سيتبعها دياب للخروج من الأزمة.