لم يأتِ البيان الوزاري (أو أقلّه المسودة بحكم أنه لم يُقرّ في مجلس الوزراء) على قدر تطلعات الأسواق، إذ يُمكن تشبيهه بالبيانات السابقة مع تميّز بسيط في بعض النقاط. وبالتالي يُشكّل هذا البيان إعترافاً رسمياً بإستمرار السياسات التي حكمت لبنان إقتصاديًا وماليًا وإجتماعيًا على مدى ثلاثون عامًا.

لا يُنكر أحد نزاهة أومصداقية أعضاء الحكومة أو رئيسها، لكن التعهدات التي تظهر في البيان الوزاري تُشير أكثر إلى عدم إمتلاك الحكومة العتيدة خطّة مدروسة لمواجهة تحدّيات المرحلة المُقبلة. وبالتالي أظهر هذا البيان الجانب الضعيف للحكومة خصوصًا إذا لم تُماشها القوى السياسية.

في الشق المُتعلّق بإستقلالية القضاء، كان من الواجب التأكيد على نية الحكومة رفع مشروع قانون يسمح للقضاء بتعيين جسمه القضائي والإداري بشكل مُستقلّ عن السلطة السياسية. أيضًا لم يأتِ البيان على ذكر الإستقلالية المالية للقضاء التي هي عنصر أساسي في ممارسة الإستقلالية.

أمّا في مكافحة الفساد، فلا يُشير البيان بوضوح إلى كيفية محاربة الفساد في الإدارات العامّة والوزارات إلا من خلال الأجهزة الرقابية التي بالإضافة إلى أنها مُعطّلة نتيجة التدخلات السياسية، لا يُمكنها مع عديدها وقف الفساد الحالي الذي هو علّة العلل. وبالتالي لا تمتلك الحكومة رؤية شاملة عابرة للوزارات والمؤسسات لمكافحة الفساد المُستشري.

ويُركّز البيان على إستعادة الأموال المنهوبة وهو أمر جيد، إلا أن أفق إسترداد هذه الأموال بعيد جدًا في الوقت وبالتالي لا يُمكن أن يكون هذا الأمر حلاً لمواجهة الإستحقاقات الحالية. ماذا لو كان أحد أسماء رؤساء الأحزاب الكبيرة موجود على اللائحة، هل ستستطيع الحكومة كشف هذا الأمر للرأي العام؟ وبالتالي نرى أن وضع هذا البند هو أكثر لدغدغة الرأي العام وخصوصًا الحراك المدني. وما يدفعنا إلى قول ذلك هو غياب قطوعات الحساب من البيان الوزاري حيث أنه من المعروف أن عدم إقرار قطوعات الحساب ناتج بالدرجة الأولى عن الإرادة السياسية التي لا تُريد فتح هذا الملف!

تتعهد الحكومة في بيانها الوزاري بمكافحة التهريب عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية. ولكنها لا تقول كيف سيتمّ ذلك! مئات المرات تمّ التأكيد أن لا تهريب عبر الحدود، وعلى الرغم من ذلك قسم كبير من السلع والبضائع المُستوردة هي مُهرّبة وتخرج عن سيطرة الدولة. أيضًا تتعهد الحكومة بملاحقة الشركات والأفراد المكتومين، وهنا نطرح السؤال بأية آلية سيتمّ ذلك؟ إلا أن هناك نقطة جيدة وهي تعهد الحكومة باعتماد الضريبة التصاعدية على مجمل المداخيل وهذا أمر أكثر من جيد نظرًا إلى العدالة التي يُرسيها مثل هذا الإجراء.

فيما يخصّ النفقات تبقى العناوين فضفاضة حيث أنه من غير المفهوم كيف سيتمّ مُكافحة الهدر في المصاريف التشغيلية! هل سيتمّ وضع سقف لهذه المصاريف أو سيتمّ خفضها كنسبة مئوية؟ وعن المؤسسات العامة التي لا جدوى إقتصادية أو إجتماعية منها، يتحدّث البيان عن إلغائها أو دمجّها (هناك ما يُقارب المئة مؤسسة). وهنا نطرح السؤال عن معنى كلمة دمج وإذا ما كانت تهدف إلى الإستمرار بها ولكن تحت مُسمى آخر؟

وعن خفض الدين العام نرى أن الإجراءات المطروحة تعتمد بشكل أساسي على مصرف لبنان! فالبيان يقترح خفض الفوائد على الدين العام (ونعلم أن مصرف لبنان يحمل نصف دين الدولة بالليرة اللبنانية). وعن التشركة لجلب مداخيل، نرى أن الهدف الأول في عين الحكومة هو شركة طيران الميدل إيست التي يمتلكها مصرف لبنان. أما بالنسبة لمؤسسات الدولة الأخرى فهي بمعظمها غارقة بالفساد وبالتالي سيتم بيعها بأسعار مُنخفضة. كل هذا للقول أن الحلول على المدى القصير سيتحمّلها مصرف لبنان وبالتالي المودعين والليرة اللبنانية.

وفيما يخص الأزمة النقدية والمصرفية، خلا البيان الوزاري من أية إجراءات فعلية، والإجراءات المطروحة هي من باب الطمأنة لا أكثر ولا أقلّ. فالمعروف أن الدولة تُعاني من مُشكلة مالية وتُعتبر ماليتها العامّة سبباً أساسياً من أسباب إنعدام الثقة بالقطاع المصرفي. للتذكير الهلع المصرفي أتى بعد تخفيض تصنيف لبنان الإئتماني في آب الماضي والحديث عن إفلاس الدولة وإنكشاف المصارف ومصرف لبنان على دين الدولة السيادي.

ولا نعلم ماذا يقصد البيان الوزاري بـ «مجموعة تدابير منها إعادة رأسملة المصارف ومُعالجة القروض المُتعثّرة»! فالدولة غير قادرة على ضخ الأموال، و سبق لمصرف لبنان أن أصدر تعميمًا (ضمن صلاحياته المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف) يطلب فيه من المصارف رفع رأس المال بنسبة 20%! وهنا يُطرح السؤال عمّا إذا كان للحكومة النية في تحويل قسم من الودائع الكبيرة إلى أسهم في المصارف؟

على صعيد معالجة الخلل في ميزان المدفوعات، كنا ننتظر من الحكومة إجراءات أقوى من تلك المطروحة. فالإجراءات الضريبية الإستثنائية التي تتحدّث عنها الحكومة صالحة في حال كانت الدولة بحال مالية جيدة وهو ما لا ينطبق على الدولة اللبنانية. أما في ما يخص تعاون المُجتمع الدولي، فالحكومة تعلم أكثر من غيرها أن هذا الأمر هو رهن القرار السياسي الذي لا يصب في مصلحة لبنان!

أمّا فيما يخص مؤسسة كهرباء لبنان، فالطروحات في البيان الوزاري لا تُحاكي التحدّيات الحالية! 40 مليار دولار أميركي قيمة التحويلات التي قامت بها الدولة لصالح مؤسسة كهرباء لبنان، وما زالت الدولة تذهب باتجاه الدعم! وكان الأجدى بالحكومة أن تعمد إلى رفع التعرفة فورًا أو (وهذا الأفضل) أن تُوقف كليًا دعم المؤسسة والبحث عن شركات قادرة على إيجاد حلول مؤقتة بإنتظار إنشاء معامل جديدة.

ويتحدّث البيان الوزاري عن الإستراتيجية المُحدّثة لقطاعي المياه والصرف الصحي. وهنا نطرح السؤال عن كيفية تمويل المشاريع الواردة في هذه الإستراتيجية! هل هي عبر القطاع الخاص الذي يُعاني حاليًا أم هي عبر الدوّلة التي تُعاني من عجز مُزمن في ماليتها العامة ولا قدرة لها على الإستدانة؟

وعن قطاع النفط، تعرف الحكومة جيدًا أن قرار التنقيب عن النفط هو قرار سياسي دولي. وبالتالي فإن إطلاق الدورة الثانية من التراخيص لن يُجدي نفعًا ما دمنا لم نبدأ التنقيب بالتراخيص التي تمّ إسنادها إلى الشركات والذي كان من المفروض أن يبدأ في شباط من العام الماضي.

وعن الحماية الإجتماعية، نرى أن الحكومة تُطلق وعودًا لن يكون بمقدورها الإيفاء بها مثل تعزيز التغطية الصحيّة للمواطنين والدولة غير قادرة على دفع مُستحقات المُستشفيات.

وعن الواقع الإقتصادي، لم يأتِ البيان الوزاري على كيفية خلق وظائف جديدة للبنانيين الذين أكثر ما يحتاجون إليه هو فرص العمل نظرًا إلى إرتفاع البطالة ومن خلفها الفقر.

إن مُسودّة البيان الوزاري التي تمّ تسريبها للإعلام لا تعكس تطلعات اللبنانيين الذين يتظاهرون منذ 17 تشرين الأوّل ولا تطلّعات المُجتمع الدولي الذي طالب بحكومة «تُكافح الفساد وقادرة على القيام بإصلاحات». من هذا المُنطلق، نرى أن أمام الحكومة العتيدة الفرصة لتعديل هذا البيان قبل طرحه على مجلس الوزراء للإقراره بهدف إرساله إلى المجلس النيابي.