اذا، فبعد النتائج المدمرة التي حصدها لبنان بالتمنع عن التنسيق مع الحكومة السورية في السنوات الماضية لأسباب بعضها غير ذي جدوى وبعضها الاخر مرتبط بأجندات خارجية، بات لازما على الحكومة الجديدة ان تضع في اولويات عملها بعد نيلها ثقة مجلس النواب التوجه نحو تطبيع العلاقات مع دمشق انطلاقاً من خروج مجلس الوزراء بقرار يؤكد على ضرورة التواصل الحكومي مع الحكومة السورية.

بداية، تقول شخصية بارزة على تواصل مع القيادة السورية، مسارعة الحكومة الى اتخاذ قرار الانفتاح على دمشق سيكون له تداعيات ايجابية ضخمة على لبنان اكثر بكثير من النتائج الايجابية التي ستحصدها سوريا، فأي مطلع ويدرك شبكة العلاقات الضخمة بين البلدين لا يحتاج الى «طلاسم» ليدرك الفرق الكبير لمصلحة لبنان في حال قررت الحكومة التنسيق مع دمشق، ليس أقلها وضع خطة مشتركة لاعادة النازحين والتوصل الى مقاربات مشتركة حول عشرات الملفات العالقة بدءاً من فتح الحدود السورية أمام التصدير اللبناني لللاسواق العربية.

واما، اذا انتظرت الحكومة حتى «نزول الوحي» من العواصم التي ربطت بعض الاطراف الداخلية اي تنسيق مع دمشق بضوء أخضر من هذه الدول وتحديداً كل من واشنطن والرياض، فهذا الانتظار سيحمل لبنان المزيد من الخسائر الضخمة، كما ان البعض اذا أعتقد عندما يصله «الضوء الاخضر» من هذه العواصم، فدمشق سيكون موقفها مختلف عن جدوى قرار تتخذه الحكومة بعيداً عن ارتهان مصالح لبنان لما يتقرر في غرف أجهزة المخابرات، كما ان اعتقاد البعض ان على سوريا ان تكون أشبه «بجمعية خيرية» فهو لا يتعدى اضاعة المزيد من الوقت ومزيد من الخسائر على لبنان وعلى كل المستويات الاقتصادية والمالية والحياتية، في وقت أعطت دمشق كل ما يمكنها لمساعدة حلفائها في لبنان في حلحلة عدد كبير من الامور العالقة حول قضايا التعاون الزراعي وأمور أخرى.

وحتى ما يحصل من تواصل بطرق مختلفة من كل الدول العربية باتجاه دمشق - باستثناء قطر - على المعنيين في لبنان عدم الانتظار حتى صدور قرار عن الجامعة العربية أو تطبيع الدول العربية لعلاقتها مع سوريا، مع العلم ان هناك اتصالات مع كل دول الخليج ومصر والاردن والعراق ودول المغرب العربي.

لذلك، فالسؤال هل ستعطي الحكومة الجديدة ملف الانفتاح الرسمي على دمشق اولوية خاصة لما هذا القرار من نتائج ايجابية ضخمة على مصالح لبنان اقتصادياً ومالياً وحياتياً؟

لم تحمل مسودة البيان الوزاري للحكومة، والتي جرى تداولها في الساعات الماضية أي عبارة لها علاقة بخيارات الحكومة المقبلة من مسألة التواصل مع دمشق حتى لحل مسألة النازحين حيث أكدت في بند العلاقات الديبلوماسية «الحرص على تكثيف التواصل مع الدول العربية الشقيقة والصديقة (...) بغية العمل على توفير أوجه الدعم كافة للبنان...» فكررت صيغة الحكومات السابقة بما خص «النأي بالنفس»، كما أعادت نفس عبارات الحكومات السابقة بما خص عودة النازحين من حيث «تواصل الحكومة مع المجتمع الدولي للوفاء بالتزاماته التي اعلن عنها في مواجهة النزوح السوري» ورأى بيان الحكومة «ان الحل الوحيد هو بعودة النازحين الآمنة الى بلدهم...» الى نفس الكليشيهات الاخرى دون وجود توجه واضح وجدي في البيان الوزاري للانفتاح الرسمي على سوريا، وتأكيد ان لا حل عن عودة النازحين سوى من خلال الاتفاق مع دمشق، بعد ان ثبت ان المجتمع الدولي لا يريد اعادة النازحين وتحديداً الولايات المتحدة والغرب والامم المتحدة، فيما المساعدات الدولية التي تقدم للبنان لا تكفي سوى جزء بسيط من تكاليف وجود مليون ونصف مليون نازح سوري في لبنان، مع العلم ان الجزء الاكبر من المساعدات يذهب تنفيعات وسمسرات على عشرات الجمعيات المكلفة من الامم المتحدة لهذه الغاية، أو يدفع كمساعدات مالية مباشرة للنازحين دون أن يستخدم من قبل النازحين في الحركة الاقتصادية داخل لبنان.

ولذلك، تشير كل المعطيات اليوم، الى ان لا تغيير جدي لدى الحكومة الجديدة بما خص مقاربة العلاقات اللبنانية - السورية، على الرغم من ان الحكومة تعطي الاولوية لوضع المعالجات للازمات الاقتصادية والمالية والحياتية في دائرة التنفيذ التدريجي في عملها لاحقاً، فيما من المفروض والضروري ان تولي موضوع العلاقة مع سوريا أهمية استثنائية، وبالتالي فالخطوة الفعلية الاولى للانقاذ في حلحلة المشاكل والملفات الكبيرة المرتبطة عضوياً مع سوريا، من مسألة النازحين الى كون سوريا الممر الالزامي نحو الدول العربية، كما تشكل اليوم الخزان الغذائي للبنان، في ظل الارتفاعات الضخمة لاسعار السلع والمواد الغذائية في لبنان نتيجة تراجع قيمة الليرة اللبنانية وفقدان السيولة بالدولار ما ادى الى الاعتماد على استيراد السلع الغذائية ومواد اخرى من سوريا للتخفيف من ارتفاع الاسعار، حيث تكلفتها في سوريا اقل بكثير من استيرادها من دول العالم.

وكل ذلك يفترض من الحكومة الجديدة قراراً سريعاً بعد نيلها ثقة المجلس النيابي بتنظيم العلاقة مع سوريا لوضع آليات مشتركة لاعادة النازحين والتبادل التجاري وقضايا الترانزيت وترسيم الحدود البحرية وتحديداً استشكاف الغاز والنفط في بلوك «رقم 4»، فلا لبنان ولا سوريا بامكانهما التنقيب على الحدود البحرية المشتركة قبل ترسيم الحدود بين البلدين، كما ان للبنان مصلحة ايضاً في تحريك العلاقة مع سوريا لمواجهة صفقة القرن الاميركية - الاسرائيلية، والتي تستهدف فرض توطين الفلسطينيين في لبنان.

ووفق معلومات الشخصية البارزة، فرغم وصول لبنان واللبنانيين الى الافلاس، باستثناء حيتان المال من اصحاب المصارف وناهبي المال العام، لا يبدو ان لدى الحكومة الجديدة ولا الاطراف السياسية توجهات مختلفة عن السياسات السابقة داخلياً، وفي علاقات لبنان مع الدول الشقيقة والصديقة من ضرورة وضع مقاربة مختلفة عن السابق للعلاقة مع سوريا، بل ان كل السياسات التي تضمنتها مسودة البيان الوزاري لا تخرج عن اعادة انتاج الاقتصاد الريعي وافلاس ما تبقى من لبنانيين لصالح اصحاب المصارف وهيئات المال، كالاجراءات التي جاءت في البيان الوزاري لمعالجة الازمتين المالية والنقدية، او مضمون الكتاب الذي رفعه حاكم مصرف لبنان الى رئيس الحكومة ووزير المالية وكشفت عنه «المفكرة القانونية» امس، حيث النتيجة الوحيدة لكل هذه الاجراءات وسياسة حاكم مصرف لبنان هي للسطو على اموال المودعين الصغار في المصارف وفرض ضرائب جديدة على اصحاب الدخل المحدود.

وفي المعلومات ان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وعدد من الوزراء الجدد الذين جرى التواصل معهم بما خص ضرورة مصلحة الملفات العالقة مع سوريا فهؤلاء وان كانوا ابدوا رغبة في حلحلة هذه الامور لكنهم ابدوا في الوقت نفسه ترددهم في انجاز اجراءات واضحة لصدور قرار عن مجلس الوزراء بتطبي العلاقة مع سوريا، او حتى التوجه لاحقاً لتكليف الوزراء المعنيين بالتواصل مع دمشق، فالرئيس عون رغم تأكيده لزائريه انه مقتنع بالانفتاح على سوريا، لكنه في الوقت ذاته لا زال متردداً، على خلفية الحملة التي لجأ اليها اصحاب الاجندات الخارجية ضد وزير الخارجية السابق جبران باسيل عندما اعلن رغبته بزيارة دمشق، وانه قلق ايضا من ردة الفعل الاميركية في حال اتخاذ قرار بتطبيع العلاقة مع سوريا، او قيامه شخصياً بزيارة دمشق.

كل ذلك، فكل المؤشرات التي تكشف في الايام الماضية بدءاً من مضمون الصيغة التي اتت في البيان الوزاري حول علاقات لبنان الديبلوماسية مع دول العالم، الى التردد الذي جرى التعبير عنه من جانب عدد من المسؤولين الى مواقف القوى السياسية المشاركة في الحكومة، تشير الى ان لا رغبة جدية لدى الحكومة الجديدة ومن يغطيها سياسياً لتطبيع العلاقة مع سوريا ولا حتى لتنفيذ معالجات مختلفة عن السابق لمعالجة الازمات المالية والنقدية والحياتية، بل ان ما جاء في البيان الوزاري تكرار منفتح للسياسات السابقة، وبالتالي من شأن ذلك مفاقمة الواقع المنهار في لبنان.