مع كل مشروع أميركي للمنطقة، وتحديداً «الشرق الاوسط»، او للصراع العربي - الاسرائيلي، وما يرتبط بالكيان الصهيوني وأمنه ووجوده، فان لبنان يكون جزءاً من هذا المشروع، او ساحة لتمريره، بالازمات والفتن والحروب، حيث يخشى ان يكون «لصفقة القرن» التي اعلن عنها الرئيس الاميركي دونالد ترامب لحل المسألة الفلسطينية، انعكاسات على لبنان، الذي تشمله «الصفقة - المشروع»، بنحو 6.5 مليار دولار، من ضمن مبلغ 50 مليار دولار، أقر في البحرين في حزيران الماضي، لدعم الصفقة اقتصادياً، تحت عنوان، تنمية البلدان المجاورة التي تضم نازحين فلسطينيين، مع التركيز على مشاريع استثمارية في الضفة الغربية وغزة، لتحسين أوضاع المواطنين ونقلهم من حالة الفقر، وكأن الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، اقتصادي، وليس وجودياً، وقد سبق لشيمون بيريز ان روّج لمشروعه للسلام مع الفلسطينيين، تحت عنوان «الشرق الاوسط الجديد»، والذي يقوم على الاستفادة من المال العربي في تنمية وازدهار هذا «الشرق الاوسط الاسرائيلي»، وهو ما يتطابق مع افكار جاريد كوشنير صهر الرئيس الاميركي التي اوردها في الصفقة، وبدأ تنفيذها في القمة الاقتصادية التي عقدت في المنامة، ومهدت لـ«صفقة القرن» التي سبق الاعلان عنها رسمياً، اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة للدولة العبرية، وضم الجولان اليها، وشرعنة بناء المستوطنات اليهودية.

فمثل هذا المشروع الاميركي لما يسمى السلام في المنطقة، يدخل لبنان من ضمنه، لانه يضم نحو 400 الف لاجئ فلسطيني، وهو غير الرقم الذي اذاعته لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني قبل اكثر من عام وقدمت احصاءاً رسمياً عن وجود 175 الف لاجئ فلسطيني، وهو الرقم الذي لاقى تحفظاً عليه، حيث لمّح معترضون عليه، على انه محاولة لتوطين مقنع، يمنع الدستور في مقدمته حصوله، مع التلازم برفض التقسيم.

والقلق اللبناني من «صفقة القرن»، باغرائها المالي في الوقت الذي يعاني لبنان من ازمة مالية، واخرى اقتصادية - اجتماعية، ويفتش عن تمويل للخزينة التي افرغها الفاسدون من الطبقة السياسية الحاكمة، على مدى قرون، اذ ربطت الاستدانة مع بدء مرحلة «الحريرية السياسية»، التي ظهرت مع وصول الرئيس رفيق الحريري لرئاسة الحكومة في مطلع 1993، الذي اتى مع ما سماه اعادة الاعمار الذي بدأه في وسط بيروت، وكان الرهان على ان السلام القادم الى المنطقة مع انعقاد مؤتمر مدريد، والوصول الى اتفاق اوسلو، سيدخل لبنان في ازدهار اقتصادي وتدفق مالي، وفق مصدر سياسي عاش تلك الفترة، ويذكّر بأن الرئيس الحريري كان يرد على من يحذره من الاستدانة، بأن المنطقة قادمة على سلام، ولا بدّ للبنان ان يتحضر له في اقامة بنى تحتية، لكن هذا الرهان اسقطته المقاومة في لبنان، بتحرير ارضه المحتلة من العدو الاسرائيلي، دون قيد او شرط، وهذا ما شجع الفلسطينيين الرافضين لاتفاق اوسلو، ان ينحو هذا الاتجاه المقاوم.

وتحت ذريعة حاجة لبنان الى التمويل واقامة مشاريع استثمارية فيه، واغرائه بمبلغ 6 مليار دولار، وفق ما ورد في «صفقة القرن»، فان في لبنان من يخشى ان يستغل طرفا الصفقة اميركا واسرائيل، الوضع المالي المأزوم، والفقر والجوع والبطالة، للضغط على لبنان، للسير بالصفقة، ويقبل بتوطين الفلسطينيين، وهو المرفوض لبنانياً وفلسطينياً، ولم يعد مادة يمكن استخدامها للتفجير الامني، لان الطرفين المعنيين اعلنا عدم قبولهما بها، وان اي طرف لبناني لا يستطيع التذرع، بأنه سيحمل السلاح لرفض التوطين الفلسطيني، كما حصل في العام 1975، لان من قام بذلك وقع في الفخ الاسرائيلي، يقول المصدر الذي يخشى ان يأتي من يعمل داخل «الحراك الشعبي»، ويحرفه عن اهدافه الاجتماعية - الاصلاحية، ويذهب به الى مواجهات داخلية، سواء مع القوى الامنية والعسكرية، او مع اطراف سياسية وحزبية داخلية، فيتحول لبنان الى ساحة قتال، وتشتعل فيه الحرائق، التي تغطي «صفقة القرن»، وهو ما حصل في سبعينات القرن الماضي، بعد حرب تشرين الاول عام 1973، عندما ذهب النظام المصري برئاسة انور السادات الى توقيع اتفاق استسلام في ما سمي «كيلومتر 101»، وبدأ يمهد لزيارة اسرائيل واتفاقية «كامب دايفيد» لاحقاً، فكان لبنان الساحة التي تفجرت حرباً داخلية، تداخلت فيها المطالب الاصلاحية السياسية واخرى النقابية المطلبية، مع وجود فلسطيني مسلح، قرر التصدي لتصفية قضيته من لبنان، سواء من اسرائيل اوحلفائها العرب.

والحذر، هو ان يكون لبنان، وحراك شعبه نقطة الضعف لاشعال الفتنة فيه!