عاد الزخم الى الشارع بشكل أعاد الى الأذهان الأسابيع الأولى من عمر الانتفاضة، ولكن الفارق هذه المرة هو أن المعترضين على «قطع الطرق» لا يملكون حجة مقنعة لحث الآخرين على عدم قطعها، خصوصا بعد مرور أشهر على استقالة الحكومة، وعدم قدرة المعنيين على تشكيل أخرى تُدير شؤون البلاد والعباد.

منذ استقالة رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري كانت التوقعات تُشير الى فراغ طويل سيدخل فيه لبنان، وكانت المحاولات التي تحصل لتكليف شخصية تشكل الحكومة تبوء بالفشل، مرة بسبب تعنت الحريري، ومرة بسبب تدخل دار الفتوى، ومرة بسبب رفض حكومة التكنوقراط لمنع الانقلاب على نتائج الانتخابات النيابية، وهنا أصل القضية.

عندما توجه أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله الى اللبنانيين بعد استقالة الحكومة، تحدّث عن «مهلة» كان يمكن تقديمها من قبل «الثوار» الى المسؤولين لتنفيذ الورقة الاقتصادية التي أقرتها حكومة الحريري قبل اعلان وفاتها بأيام، وإبّان مرحلة التفتيش عن رئيس مكلف كان الخطاب مماثلا، اذ طُلب إعطاء «مهلة» أيضا لحين الوصول الى إسم شخصية تشكل حكومة إنقاذية، يوم تكليف حسان دياب، هبّ شارع مضاد، فكان الخطاب من المسؤولين الذين سمّوه داعيا للانتظار وإعطاء الرئيس المكلف فرصة للتشكيل ومن ثم الحكم على تشكيلته وعمله، ورغم كل المهل التي قُدّمت لم يتغير الوضع، لا بل ساء أكثر، والأهم أن أحدا لا يصارح اللبنانيين بسبب هذا الفشل، ما فتح الباب أمام الحديث عن محاصصات أفشلت العملية.

شدد فريق 8 آذار ومعه التيار الوطني الحر أن الانقلاب على نتائج الانتخاب لن يمرّ، معتبرين بحسب مصادر قيادية فيه أن تهميش رأي حوالي مليون لبناني اقترعوا لهذه القوى لا يمكن أن يشكل الحل، بل سيكون مدخلا الى مزيد من الفوضى المالية والاقتصادية، مشددة على أن الحل كان منذ اليوم الاول ولا يزال هو نفسه، وهو تشكيل حكومة تجمع بين أصحاب الاختصاص وبين سياسيين يمثلون الكتل النيابية.

اليوم عاد اللبنانيون الى الشارع مجددا، ولكنهم هذه المرة متحصّنين بفشل الاكثرية النيابية بتشكيل حكومة، وهذا الفشل لا يتحمل مسؤوليته بنظرهم الا هذه القوى، لا بل يمكن القول هذه المرة أن الأكثرية النيابية التي سمّت دياب وفشلت بتشكيل حكومة تكاد تكون من لون واحد، تملك الفضل الأول في استعادة الحراك لزخمه.

وتكشف المصادر أن الفشل في تشكيل حكومة، مترافقا بوصول سعر صرف الدولار الى 2500، وانقطاع خدمات استشفائية في عدد من المستشفيات، وارتفاع معدل البطالة الى حوالى 45 بالمئة، وانخفاض وزن ربطة الخبز الى 900 غرام، وزيادة تقنين الكهرباء المقننة، ودخول التقنين الى عالم المولدات، وانقطاع مادة المازوت في مدن وقرى تحتاجه للتدفئة، كل هذا لم يؤثر على «الثوار» فحسب، بل كان له تأثيره على جمهور فريق 8 آذار أيضا، مشيرة الى أن الوقفات الاحتجاجية في الساعات الماضية أمام مصرف لبنان ومناطق أخرى لم تكن كسابقاتها، بالشكل والمضمون، اذ شهدت مشاركة مئات المواطنين من المحسوبين على ما يُعرف بـ«جمهور المقاومة»، وهو أمر حدث في بداية الحراك فقط، والسبب لا يمكن أن يكون الا شعور هذا الجمهور بخيبة أمل جرّاء فشل قيادته بالوصول الى حكومة تُنتج حلولا، مع العلم أن إيمان جمهور هذا الفريق بقيادته كان مطلقا.

لم تتعاط قيادة فريق 8 آذار، ولا التيار الوطني الحر بمسؤولية في هذه المرحلة، وبالتالي عليها بحسب المصادر التحرك بشكل فوري لتدارك هذا الوضع، مما يجعل هذا الفريق أمام ثلاثة خيارات هي: معالجة الخلافات القائمة بين أقطابه والذهاب الى تشكيل حكومة تحد من الازمات، أو الخروج من المشهد الحكومي وترك دياب يشكل حكومة تكنوقراط مع إعطاء الثقة بالمجلس النيابي ومراقبة عملها، أو مصارحة اللبنانيين بوجود تسوية جديدة يجري العمل عليها مع سعد الحريري أو غيره وتشكيل حكومة بأسرع وقت ممكن، مشيرة الى أن أي توجه آخر سيعني المزيد من الفشل مما سينعكس مزيدا من السلبية على صورة هذا الفريق بالسياسة والشارع، خصوصا بظل «لا مبالاة» الفريق الآخر.