تتزايد العقبات أمام ولادة الحكومة الجديدة، مع وضع العصي في الدواليب مجدّداً، رغم أنّ كلاً من رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي ورئيس «التيّار الوطني الحرّ» الوزير جبران باسيل قد قرّرا عدم المشاركة فيها، إنّما تسهيل ولادتها وإعطائها الثقة، ما جعل تأليف الحكومة يعود الى المربع الأول أي الى يوم تكليف حسّان دياب بالتشكيل. وتقول مصادر سياسية مطّلعة بأنّه رغم رفض الشارع لحكومة يرأسها دياب، وعدم تمكّنه حتى الآن من التوافق مع القوى السياسية والكتل النيابية على تأليف الحكومة، إلاّ أنّه لن يعتذر عن التكليف، على ما أفادت مصادره.

غير أنّ التطوّرات التي حصلت في المنطقة لا سيما بعد اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني وردود الفعل على هذا الإغتيال وما رافقه من توتّرات، فضلاً عن عدم التوافق الداخلي، أفضت الى أنّ تسليم لبنان الى حكومة تكنوقراط لن يجدي نفعاً في المرحلة الراهنة. وتساءلت عن جدوى تشكيل حكومة من الإختصاصيين وذوي الكفاءة والخبرة إذا ما كانوا بعيدين كلّ البعد عن السياسة التي باتت تتحكّم اليوم، الى جانب الإقتصاد، بدول المنطقة والعالم؟!

وأكّدت المصادر بأن لا مجال لتأليف حكومة من الإختصاصيين المستقلّين اليوم، على ما تُظهر المعطيات، وإن كان الشارع لا يرضى سوى بمثل هذه الأخيرة، وقد أشعل لبنان بالأمس بالإطارات فيما سُمي بيوم الغضب لمناسبة مرور تسعين يوماً على الإنتفاضة الشعبية. فما يحصل في الداخل والخارج يفرض تأليف حكومة ممثّلة من القوى السياسية والكتل النيابية، على ما اقترح رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي أي حكومة لمّ الشمل الوطني، من أصحاب الإختصاص على ألاّ يقوم هؤلاء مجدّداً بنقل المتاريس الى داخل اجتماعات مجلس الوزراء، إنّما العمل بسرعة على إنقاذ الوضع الإقتصادي والمالي الذي يعاني منه البلد من الإنهيار الكامل، وإعطاء الأولوية لحلّ الملفات العالقة وليس للخلافات السياسية.

من هنا، فإنّ عودة رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري قد تُناسب لبنان أكثر في المرحلة الراهنة، على ما أضافت المصادر، شرط ألاّ يبقى متمسّكاً بتأليف حكومة تكنوقراط بحتة، بل أن يُوافق على تشكيل حكومة تكنوسياسية قادرة على حلّ المشاكل القائمة، ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية، على أن يتمّ الفصل بين النيابة والوزارة. ولكن في حال عدم اعتذار الرئيس المكلّف عن تأليف الحكومة ومتابعة مساعيه التي عادت الى نقطة الصفر، فإنّ ما يُمكن فعله اليوم في «الوقت الضائع» هو تفعيل حكومة تصريف الأعمال الحالية.

لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أن يتحوّل الأمر الى غطاء لتعويم الحكومة الحالية، خصوصاً وأنّ المرحلة تقتضي حكومة إنقاذ، على ما لفتت المصادر، إلاّ أنّ حكومة تصريف الأعمال يُمكنها القيام بإجراءات عدّة على المستوى النقدي والمالي، وضبط التلاعب بالأسعار الحاصل، واتخاذ تدابير عدّة على مختلف الصعد انطلاقاً من أنّ الضرورات تُبيح المحظورات، وليس من وضع ملحّ وضروري أكثر من الذي يعيشه لبنان حالياً.

أمّا أن تدخل الحكومة في غيبوبة منذ استقالة رئيسها، باستثناء استكمال بعض الوزراء لمهامهم ولتحمّل مسؤولياتهم، فهذا أمر غير مقبول ولا يُمكنه أن يستمرّ في حال تطلّب تأليف حكومة دياب أشهراً عدّة، أمام التحدّي الكبير الذي دخلته عملية التشكيل خلال الأيام الماضية. فرفع أيدي السياسيين عن الحكومة الجديدة لن يوصل البلد الى برّ الأمان في ظلّ تقدّم مسألة العلاقات الأميركية- الإيرانية المستقبلية على ما عداها من التطوّرات في لبنان والمنطقة، وانعكاسها بالتالي عليها.

وفي رأي المصادر نفسها، إنّ المطلوب اليوم وقف انحدار الوضع الى الحضيض والعمل على إنقاذه في أسرع وقت ممكن من قبل الحكومة الحالية، بالحدّ الأدنى على الأقلّ، لأنّ البلد ككلّ لم يعد يحتمل ترف تأخير تأليف الحكومة الجديدة. وتقول إنّه بإمكان حكومة تصريف الأعمال تنفيذ بنود عدّة من الخطّة الإنقاذية التي وضعتها خلال فترة السماح التي سبقت إعلان الحريري لاستقالته. والمهمّ أن تكون النيّة موجودة لدى الوزراء والمسؤولين الحاليين للعمل على إنقاذ البلد بأقلّ خسائر ممكنة على المواطنين، وإلاّ فإنّ استمرار الحال على ما هي عليها، ستجعل لبنان مثل بعض دول المنطقة التي أصابتها الحروب، يرزح تحت أسوأ أزمة إقتصادية ضربت البلاد ولن يخرج منها إلاّ بعض سنوات طويلة عدّة في حال لم تتمّ لملمة الوضع والعمل على تحقيق الإصلاح عن طريق استقلالية القضاء واستعادة الأموال المنهوبة التي من شأنها أن تُعيد إنعاش الوضع الإقتصادي المنهار.