ترى أوساط سياسية على تماس مع المشاورات الجارية لتأليف الحكومة، أن المواقف السياسية الأخيرة الصادرة من قبل المعنيين بهذه العملية لجهة الإمتناع عن المشاركة في الحكومة العتيدة، لا تتطابق مع الواقع الفعلي لمضمون هذه المشاورات، وبالتالي، فهي تدخل في إطار المزايدة من جهة، والضغط من جهة أخرى على الرئيس المكلّف حسّان دياب، ولا تعني بالضرورة نسف الآليات المعتمدة في توزيع الحقائب الوزارية، بل على العكس، فهي تدفع نحو تسريع عملية التأليف من خلال تطبيق معايير سياسية في الدرجة الأولى في اختيار الوزراء، بعدما حصل التوافق حول توزيع الحقائب الوزارية الأساسية وعدد الوزراء.

ومن هنا، تقول هذه الأوساط، أنه لم يعد من حاجة لتقديم الوقائع الفعلية المرتبطة بالملف الحكومي في إطار «شعبوي»، وسط السجال الصريح والمفتوح بين القوى السياسية الداعمة للرئيس المكلّف من جهة، والرئيس المكلّف نفسه من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، فهي تكشف أن الموقف النهائي لـ «التيار الوطني الحر» لم يتحدّد بعد على الرغم من تزايد الحديث عن اعتذاره عن المشاركة في الحكومة في عطلة الأسبوع الماضي.

في موازاة ذلك، فإن الخلاف السياسي الجدّي الذي سُجّل حول طبيعة الحكومة العتيدة، تعيده الأوساط السياسية نفسها، إلى الإنقسام الداخلي حول كيفية التعاطي مع المرحلة الراهنة بعد اغتيال قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني، وليس إزاء المقاربة الجديدة الواجب اعتمادها لمطالب الإنتفاضة الشعبية والتي أربكت الجميع وأعادت خلط الأوراق، على الرغم من استمرار حال الإنكار لدى بعض القوى السياسية أو بعض الأحزاب. وعليه، تشدّد الأوساط نفسها، على أن المأزق السياسي يتّجه إلى الحل، بصرف النظر عن الإنسداد والتصعيد الحالي في المواقف، والذي انعكس جموداً في عملية إنتاج الحكومة، ولذا، فإن الإتجاه الفعلي والجاد للخروج من هذا الإنسداد يكون بعدم إدخال أي تعديل على التصوّر الحكومي الذي كان وضعه الرئيس المكلّف، وما زال مصرّاً عليه، وهو طرح حكومة الإختصاصيين، التي تستطيع، وبالحدّ الأدنى، وقف موجة التدهور العاتية التي تضرب كل قطاعات الإقتصاد، كما بالقطاع المصرفي.

لكن الأوساط السياسية نفسها، تلفت إلى عراقيل عدة تواجهها عملية التأليف من دون أن تفصح عن مصدرها وأسبابها، لا سيما لجهة مطالب «الثنائي الشيعي»، موضحة أنه كان من المقرّر إعلان التشكيلة الحكومية خلال الأسبوع الماضي لولا الزلزال الإقليمي الذي أدّى إلى فرض حسابات جديدة على مستوى الساحتين الإقليمية والدولية، ومن ضمنها التوازنات السياسية داخل الحكومة، والتي لم تكن في دائرة المقاربات الموضوعة والمتّفق عليها من قبل كل الأطراف التي سمّت الرئيس المكلّف ودعمته، ثم عدّلت مواقفها في الأيام القليلة الماضي، ولأسباب لا تزال غامضة.

ولذلك، فإن عملية خلط الأوراق مرشّحة للإستمرار في الأمد المنظور، في الوقت الذي توقّعت فيه الأوساط نفسها، أن يعود الحراك الشعبي بفاعلية إلى واجهة الحدث مرة جديدة مع الإنطلاقة المتجدّدة للتحرّكات الشعبية في الشارع، ولكن وفق روزنامة مختلفة.