"إن الفيلسوف العربي الأندلسي، ابن رشد (الحفيد) سبق عصره بل سبق كل العصور اللاحقة به. وقدّم للعالم مجموعة من الأفكار التي قامــــت عليهــــــا النهضـة الحديثة"

المفكر الإسباني مايكل هرناندت

بتاريخ فجر يوم الجمعة الواقع فيه 3 كانون الثاني 2020، كنت أقوم، بالمراجعة ما قبل الأخيرة، لمقالتي الموسومة بالعنوان أعلاه. ولمّا دقت الساعة السابعة، ورد خبر عبر إحدى وسائل الإعلام، يفيد أن المبدع اللبناني في عالم السيارات، السيد كارلوس غصن، قد فرّ من محل إقامته الجبرية في إحدى البلدات اليابانية، ووصل إلى بيروت عبر تركيا، فنزل الخبر على مقالتي ضيفاً كريماً، وقررت أن أتوّج به مقالتي عن المحاكمة الكيفية لإبن رشد، ونفيه من العاصمة الأندلسية قرطبة، إلى بلدة أليسانا، للإقامة الجبرية فيها. وبعد هذا التتويج، رحت أقرأ من جديد ما سبق لي وكتبت في مقالتي.

المقدمة: مشاهدة فيلم "المصير" عن ابن رشد الحفيد، في العام 1997 والمفارقات الخمس

بتاريخ الحادي والعشرين، من شهر كانون الأول 1997، سألتني زوجتي المحامية فاديا فؤاد متري، رأيي في حضور "فيلم المصير"، عن العالِم الفيلسوف، وقاضي قضاة الأندلس، ابن رشد الحفيد، للعبقري المصري العربي يوسف شاهين، في إحدى دور السينما.

ولمّا رحّبتُ بالفكرة، سُرّت زوجتي كثيراً، لأنها تعرف أني لست من روّاد السينما، وذهبنا سوية، مع الصديق المرحوم، العقيد جوزيف غانم وزوجته، وحضرنا الفيلم التاريخي "المصير"، الذي يتكلّم عن الفيلسوف ابن رشد في صعوده، وفي محنته، وغضب صديقه الخليفة عليه، فبانت لي خمس مفارقات:

المفارقة الأولى كانت، عندما رأيت في أحد فصول الفيلم محكمة أوروبية، من محاكم التفتيش المقيتة، تصدر حكماً بالإعدام حرقاً، دون تدخل من الحاكم، على رجل أوروبي تجرّأ وترجم كتب ابن رشد الفلسفية، من اللغة العربية، إلى لغته الوطنية.

والمفارقة الثانية كانت، عندما رأيت الأندلسيين، غجراً ونبلاء، ومسيحيين ومسلمين، يعيشون الوحدة الوطنية في أبهى ما يكون العيش، ولا يجدون أية غضاضة، في أن يحب ابن الخليفة المسلم فتاة غجرية مسيحية، تمهيداً لإعلانها زوجة، عند إكتمال الإتفاق.

والمفارقة الثالثة كانت، عندما رأيت بين تلامذة ابن رشد، أنماطاً مختلفة من الأنقياء، وبينهم ابن ولي العهد، ويُجهدون أنفسهم، لينسخوا كتب الفيلسوف، ويخاطرون بحياتهم لإيصالها، إلى مصر، أو إلى فرنسا، إنقاذاً لها من حرق محتمل، بفعل تكاتف الحاسدين والجهلة، على محاربة ابن رشد، واتهامه بالكفر والزندقة.

والمفارقة الرابعة كانت، عندما رأيت الخليفة العربي، في الأندلس، أبو يوسف يعقوب الموحدي، يتدخل مباشرة، في أعمال القضاء، ويطلب إلى قاضي القضاة، الفيلسوف ابن رشد ذاته، إنزال عقوبة الإعدام، بشخص تشاجر مع شخص آخر، وحاول قتله، ومن ثم تصالحا، وأسقط كل منهما حقوقه عن الآخر.

والمفارقة الخامسة والعظمى كانت، عندما رأيت ابن رشد القاضي، يرفض طلب صديقه الخليفة، ويقول له بالفم الملآن:

لا يكفي يا جلالة الخليفة، أن يقتل المرء غيره، ليطلب الخليفة إلى القاضي، أن يصدر حكماً بإعدامه تحت شعار: "القاتل يقتل"، تحصيناً لهيبة الدولة، وتحصيناً لمقولة: "الأمن قبل الرغيف"، إنما يجب على القاضي، أن ينظر إلى كل جريمة بمفردها، وأن يتحرّى أسبابها والظروف، وأن يتأكد بشتى الوسائل، من صحة إرادة القاتل، ومن سلامة قراره واختياره... وأن يأخذ كل ذلك بالإعتبار عند تحديد العقوبة .

الفقرة الأولى: إنخطاف فكري، فمشاهدة خيالية لإبن رشد الحفيد، ورجوع إلى واقع القضاة في لبنان، وأزمات الضمير

أمام هذا المشهد من "فيلم المصير"، شعرت أن الزمان تقاصر أمام عيوني، حتى صار لحظة واحدة، في ماضيه وحاضره، فاجتاحني تيار من الرؤى، إلى درجة خلتني فيها، أني معاصر لإبن رشد الحفيد، وأني رأيته أكثر من مرّة، قادماً إلينا حقيقة، كالبدر في ظلمة فكرنا، والماء في هجير صحارينا، والرغيف في جوع أطفالنا، والبلسم في سحيق جروحنا، والحرّية في سجننا الكبير، والثورة على التقليد الذي كان سائداً، في كثير من الدول، حيث كانت السلطات الحاكمة، توزع على قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق، "كرابيج مقدودة" من "ألسنة العجول" لإستعمالها، عند استجواب المدعى عليهم، كلّما لزم الأمر .

وشاء القدر، في اليوم التالي لحضوري "فيلم المصير"، أن أقرأ حكماً تمييزياً، صدر عن غرفة القاضي العادل، الرئيس رالف رياشي، بتاريخ 21/10/1997، وقضى بتجريم المتهم أ.ي. وإنزال عقوبة الإعدام به، تطبيقاً للقانون 302/1994، المعروف عندنا بقانون "القاتل يقتل".

ولفت نظري، في تعليل هذا الحكم، حيثية مزلزلة، وتأسر في طياتها أزمة ضمير كبرى، بين سلطان القانون، وسلطان العدالة، أمام فرسان ربة العدالة تيميس، جاء فيها:

"وحيث إنه، وإن كانت هذه المحكمة ترى، في الدعوى الحاضرة، أسباباً تخفيفية، بمفهوم المادة (253)ق.ع. يستفيد منها المتهم، فيمنع إعدامه، وتتمثل بالطابع الفوري للجريمة، المرتبط بمزاج المتهم، العصبي والإنفعالي، والمتأثر بالسلوك العام للضحية ز.ع. وبعلاقتها بالمتهم، بالإضافة إلى سنّه، وانتفاء أسبقياته، إلاّ أن المبدأ الدستوري المتعلّق بفصل السلطات يوجب عليها (المحكمة) التقيد بأحكام المادة (3) من القانون 302/94، غير القابلة لأي تأويل، وغير القابلة لأي تفسير، ممّا يحول دون تمكينها من منح المتهم الأسباب المخففة، فيبقى للسلطات الدستورية، صاحبة الإختصاص، وفقاً للمادة (455) محاكمات جزائية، الحق باستبدال العقوبة المقررة، أو تنفيذها، وفقاً لتقديرها".

توقفت كثيراً أمام هذه الحيثية المزلزلة، فقرأتها مجدداً، وأعدت قراءتها عدة مرّات، فما وجدت أبلغ منها، للوصل إلى أسماع مشرعينا، وأخذ ذلك بعين الإعتبار، عند سنّ القوانين، من أجل تجنيب القضاة أزمات الضمير، التي قد تنشأ عن صعوبة مخالفة القانون، عند تناقضه مع مبادئ العدالة.

الفقرة الثانية: ثورة 17 تشرين الأول 2019 تذكرني في نقائها وترفعها عن صغائر الطائفية والمذهبية، بنقاء وترفع الأندلسيين العرب

عندما اندلعت في لبنان الحرف، و"أم الشرائع بيروت"، و"خيمة فؤاد شهاب"، ثورة 17 تشرين الأول 2019، اللاّعنفية، واللاّطائفية، والمتفجرة من الشمال إلى الجنوب، ومن فقش الموج غرباً، إلى مرمى الثلج شرقاً، والرافعة للأعلام اللبنانية فقط، والمتعملقة بإنشاد النشيد الوطني اللبناني دون غيره، من الأناشيد الحزبية، والثورية المختلفة، التي كانت تعطل لغة الحوار، بين جميع أفراد الشعب.

نعم...عندما اندلعت هذه الثورة المباركة، إعترتنا جميعاً نشوة من الإعتزاز والفخر، بهذا الأسلوب الوطني الحضاري غير المسبوق، الذي اعتمدته هذه الثورة العملاقة.

ويضاف إلى ذلك، أننا لم نشاهد ثوارنا، أو أحداً منهم، يسطو على محل، أو على بنك، أو على مؤسسة، كما جرى ويجري في بعض الدول الحضارية وغير الحضارية، في كل أقطار العالم. أمّا جيشنا وقوانا العسكرية، في قياداتها وضبّاطها وأفرادها، فقد كانت في منتهى الإنضباط والمسؤولية.

وكل هذا جعل العالم مندهشاً من تصرفنا الحضاري، وراح ينظر إلينا باحترام، ويرفع علمنا اللبناني، على أجمل قلاعه، وأبراجه، وواجهات بناياته، وفي ساحاته العامة.

نعم... شعرت بنشوة وطنية غير مسبوقة، فتذكرت وحدة الأندلسيين العرب، من كل الأعراق والأديان، وترفعهم، عن الطائفية والمذهبية، والطبقية البغيضة، ورحت أعلل النفس، بوصولنا يوماً في لبنان إلى الدولة المدنية، أو العلمانية، التي حاضرتُ في سبيلها كثيراً، في بيروت، ومار الياس إنطلياس، وزغرتا، وبرمانا .

وفي ذات الوقت، رحت أسأل وأبحث، عن محاكمة صديقنا الفيلسوف، ابن رشد الحفيد، وأسبابها الظاهرة والخفية.

الفقرة الثالثة: تسليط الضوء على هوية قاضي القضاة، الفيلسوف ابن رشد الحفيد

إن مركز قاضي القضاة، في أية دولة في العالم، بشكل عام، وفي دولة الأندلس العربية، بشكل خاص، هو مركز عالٍ جداً، ومرموق جداً، ولا يصل إليه، إلاّ من كان علمه جمّاً، وأخلاقه وافرة، ومناقبه مشرّفة، ومترفعاً عن الصغائر، ومدققاً في الشبهات، وملتزماً بمبدأ الحياد بين الخصوم، وشجاعاً جداً عند اتضاح الحكم، وقادراً على أن يقف في وجه الملوك والأباطرة، كلّما أرادوا التدخل في شؤون مهماته وأحكامه، بوجود قانون يلحظ إستقلال السلطة القضائية، أو بدون وجوده... فرسالة القضاة تفرض ذلك.

فمن هو صديقنا ابن رشد الحفيد، الذي وصل إلى مركز قاضي القضاة في الأندلس؟

إن الفيلسوف ابن رشد الحفيد، هو القاضي محمد بن أحمد، بن رشد، قاضي قضاة الأندلس، وأشهر فلاسفة العرب والمسلمين على الإطلاق، وأشهر شُرّاح فلسفة أفلاطون، وفلسفة أرسطو في العالم.

ولد صديقنا أبو الوليد، محمد بن رشد، المعروف بإبن رشد الحفيد، في قرطبة الأندلسية عام 1126 ميلادية، في بيت طارت شهرته في الخافقين، بأنه بيت علم وفقه وفلسفة وطب وقضاء ومناقب.

وبفعل هذا الواقع العائلي المتميّز، وصل جده الذي يحمل ذات الإسم، إلى مركز قاضي القضاة قبله، فكان سجل مآثره التاريخي حافلاً، بأبهى المواقف، التي تنضحُ علماً وفلسفة وعدالة... وأجمع كَتَبَة ُالتاريخ، على وصفه بأنه كان أشهرَ أهل زمانه، في شتى المجالات المشرّفة، التي يجب أن تتوفر في شخصية قاضي القضاة وتصرفاته.

وحتى لا يقع الإلتباس بين الجد وحفيده، الذي يشبهه، في الإسم والكنية، وفي علو الكعب، وصلابة الرأي، وعمق الفلسفة، والوصول إلى أعلى المراكز القضائية، أطلق المؤرخون على الجد لقب "ابن رشد الجد" وعلى ابن ابنه لقب "ابن رشد الحفيد".

الفقرة الرابعة: إلقاء نظرة على الأندلس العربية ومدينة قرطبة التي ولد فيها ابن رشد

النبذة الأولى: قرطبة في ذروة مجدها

قبل وصول العرب إليها، كان يطلق على الأندلس إسم إيبيريا الإسبانية. وفي العام (711)م، تمكن القائد العربي طارق بن زياد، من إحتلالها، رغم ضآلة عدد قواته، بالنسبة إلى القوات التي كانت فيها، معتمداً في هجومه على عنصر المفاجأة من جهة، وعلى حرقه السفن التي أقلّته مع قواته إلى شاطئها، من جهة ثانية، وعلى رفعه شعار: "البحر وراءكم، والعدو أمامكم، ولا نجاة لكم، إلاّ بالنصر المبين"، من جهة ثالثة.

وبعد إنتصار الأمويين في تلك المعركة، أطلقوا إسم الأندلس ، على شبه الجزيرة الإيبيرية التي احتلوها، وجعلوها ولاية تابعة لولاية المغرب العربي.

ونظراً للأهمية التي كانت تتمتع بها ولاية الأندلس، حرص الخليفة عمر بن عبد العزيز (الأموي)، على فصلها عن ولاية المغرب، وإلحاقها بالعاصمة الأموية دمشق.

أمّا عاصمتها قرطبة، مسقط رأس ابن رشد الحفيد، فلم تتألق، إلاّ مع قدوم الأمير الأموي، عبد الرحمن الداخل، الذي فرّ من بطش العباسيين، بعد أن تمكنوا من تقويض أركان الدولة الأموية المزدهرة... فاستولى الأمير عبد الرحمن الداخل هذا، على مقاليد الحكم في الأندلس العربية، وحوّل مدينة قرطبة عاصمة للأندلس، في العام (756) ميلادية...

فبدأ بذلك عصر قرطبة الذهبي، وتحولت إلى أهم مدينة في شبه الجزيرة كلّها. وازداد تألقها عندما بدأ الأمير عبد الرحمن الداخل، ببناء جامع قرطبة الكبير، الذي كان آية من آيات الفن المعماري، والذي لا تزال آثاره قائمة حتى الآن.

النبذة الثانية: الأمير عبد الرحمن الثالث ينتصر على الثورات المتعاقبة

كان من الطبيعي، أن تتعرّض دولة الأندلس العربية إلى كثير من الثورات المتعاقبة، من السكان الأصليين... إلى أن تمكن في القرن العاشر الميلادي، أحد أحفاد عبد الرحمن الداخل، الأمير عبد الرحمن الثالث، الملقب بالناصر، من الإنتصار على الثوار، وتوطيد حكم الأمويين، وإخضاع معظم المقاطعات الأندلسية لحكمه العادل في قرطبة.

وبعد هذا الإنتصار الكبير، أعلن الأمير عبد الرحمن الناصر نفسه خليفة للمسلمين، مستنداً في ذلك، إلى حق أسرته في الخلافة، قبل أن يقوم العباسيون بانتزاع هذا الحق منها.

وبعد إكتسابه لقب خليفة المسلمين، قام الخليفة الجديد- عبد الرحمن الناصر-ببناء مدينة جديدة، على بعد أميال من مدينة قرطبة، وأطلق عليها إسم "الزهراء"، ونقل إليها حكومته... إلاّ أن قرطبة بقيت محافظة على وهجها وتألقها، حتى وصلت إلى أوج مجدها، في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ذاته، الذي امتد حكمه من العام (912) إلى العام (961).

وحافظت قرطبة على هذا الوهج، في عهد ابنه الخليفة الحكم الثاني المستنصر بالله الذي امتد حكمه، من العام (961) إلى العام (981). لكن هذا الخليفة أخطأ حين عيّن ابنه الوحيد الطفل هشام المؤيد بالله، ولياً للعهد.

ولمّا حلّ هذا الطفل محل والده، الذي أدركته الوفاة، تغيرت أحوال الأندلس كثيراً، من القوة إلى الضعف، ومن الإزدهار، إلى الفقر، ومن الإستقرار إلى الفوضى، ومن العدل إلى الظلم، والتعسف بإصدار الأحكام، والتدخل في أعمال القضاة.

الفقرة الخامسة: حاجب في بلاط السلطان يقوم بإنقلاب ويستولي على السلطة

وشاءت الظروف أن يقوم في بلاط الخليفة المستنصر بالله، حاجب يدعى المنصور بن أبي عامر بإنقلاب، تمكن فيه من السيطرة على مقاليد الحكم في قرطبة العاصمة، ومن إلقاء القبض على الخليفة هشام المؤيّد بالله، وإبقائه سجيناً، في أحد قصوره، في مدينة الزهراء، وبنى لنفسه قصراً للحكم على مقربة من قرطبة، وأطلق عليه إسم "المدينة الزاهرة".

الفقرة السادسة: تقييم دولة قرطبة العربية

وإذا أردنا تقييم دولة قرطبة العربية تاريخياً، نجد أن العلماء أجمعوا، على أن هذه الدولة، كانت من أهم الدول الأوروبية، في القرن العاشر، كما كانت منارة للعلم والثقافة في أوروبا كلّها، وعاصمة مميزة من عواصم الأدب والفن والتطور العلمي... وأنجبت كثيراً من القامات الأدبية والفقهية أمثال: الشاعر الفذ ابن زيدون، والشاعرة ولادة بنت المستكفي، والفقيه ابن حزم، والعالم عباس بن فرناس – أول من حاول الطيران في العالم – كما كانت قبلة أنظار الموسيقي العبقري زرياب.

وأصبحت قرطبة العظيمة هذه، منافسة حقيقية، لبغداد عاصمة الخلافة العباسية، ومنافسة للقسطنطينية، عاصمة الأمبراطورية البيزنطية، وساهم علماؤها الأبرار، بتقدّم مختلف أنواع العلوم شرقاً وغرباً.

ومن هؤلاء العلماء نذكر: إبراهيم بن يحيا الزرقالي في علم الفلك، وابن زُهر في الصيدلة، وأبو القاسم الزهراوي في الجراحة، وجابر بن أفلح في علم المثلثات، والفيلسوف ابن ميمون اليهودي، والفيلسوفان الأندلسيان العربيان ابن طفيل وابن رشد.

الفقرة السابعة: ثورة البربر وسقوط الخلافة العربية في الأندلس

ما بين العامين(1020) و (1030)م ، سقطت الخلافة العربية في الأندلس بسبب ثورة البربر، ونشوء دويلات ملوك الطوائف، الذين جهدوا لتحويل طبيعة البلاد السياسية، فقسموا الأندلس إلى (12) دويلة منها: غرناطة وإشبيليه وبلنسيه وطليطلة، وسرقسطة، والبرازين وبطليوس، فتنازع الملوك في إشبيلية وطليطلة على قرطبة وقتاً طويلاً...

وفي نهاية النزاع تمكنت إشبيلية من الإنتصار، والسيطرة على مدينة قرطبة، بقيادة ملك إشبيلية الطموح، المعتمد بن عباد في العام (1078)، فحلّت إشبيلية محل قرطبة في العظمة، وانتزعت منها لقب العاصمة... لكن التنافس بقي قائماً بين المدينتين.

الفقرة الثامنة: دولة "المرابطون" في المغرب تحتل الأندلس، وتقضي على دويلات الطوائف

لم يكتفِ ملوك الطوائف، بالثراء الذي وصلهم، بعد القضاء على الدولة العربية الموحدة في الأندلس، إنما دخلوا في بحور من النزاعات، والصراعات المتمادية، في شتى المجالات، فأيقظ هذا الواقع سكان البلاد الأصليين، في الداخل وعلى الحدود، وبدأت الدعوات تتعاظم في الصفوف، لإستعادة حقهم في حكم بلادهم، وطرد العرب منها... فأفتى الفقهاء في ولاية المغرب، وداخل الأندلس، للأمير يوسف بن تاشفين، زعيم دولة "المرابطون" في المغرب، أن يهاجم ملوك الطوائف في الأندلس، وينتزع حكم الدويلات منهم... فعزم وتوكّل، وأعدّ العدة للإنتصار، وهاجم كل الحكّام على مساحة الأندلس، فانتصر عليهم إنتصاراً ساحقاً، وأسس فيها مملكة في العام 1091.

الفقرة التاسعة: دولة الموحدين

بعد إنتصار الأمير يوسف بن تاشفين، على دويلات الطوائف، ومنها: دولة بني جهور في قرطبة، ودولة بني عياد في إشبيلية، ودولة "بنو ذو النون" في طليطلة، ودولة "بنو زيري" في غرناطة ومالقة في جنوبي الأندلس، ودولة "بنو هود" في سرقسطة، ودولة "بنو الأفطس في بطليوس" ودولة "بنو عامر" في بلنسية ومرسية، في شرقي الأندلس.

بعد هذه الإنتصارات، قام الأمير يوسف بن تاشفين، بضم الأندلس العربية إلى دولة المغرب العربية أو المرابطية، لكنه ما لبث أن توفي في العام 1106 .

إستغل سكان الأندلس الأصليون هذه المناسبة، فبدأوا بمساعدة بعض الأمراء العرب، الطامعين بالحكم في الأندلس، من أجل خلخلة أركان الدولة المرابطية القوية، ومهدوا بذلك السبيل أمام دولة الموحدين للإستيلاء على الحكم في المغرب والأندلس، على حد سواء. وكان ذلك في العام (1147)م.

الفقرة العاشرة: ولادة ابن رشد الحفيد في ظل دولة "المرابطون"، وسطوع نجمه في ظل دولة "الموحدون"

أبصر ابن رشد الحفيد النور، بتاريخ 14 نيسان (1126) في قرطبة، أيام حكم دولة "المرابطون".

وكُتب عليه أن يعيش، في بدايات عصر الإنحطاط العربي في الأندلس، حيث بدأ التمايز والتنافر يزدادان بين العلم السياسي والمفاهيم الدينية... وأدّى ذلك إلى السقوط مجدداً في مستنقعات الإنحطاط، والإرتداد إلى عصور الخرافات، وتسلط الإرهاب الفكري، وازدياد الإنقسامات القبلية والمذهبية، واشتداد الصراع على السلطة وعبادة المال والكراسي، ومطاردة أصحاب الفكر الحرّ في كل مكان، خوفاً من ثقافتهم، ومن سلاح الكلمة الذي لا يتقنه إلاّ العلماء والفلاسفة والمفكرون.

وبدأ صديقنا ابن رشد الحفيد حياته المهنية، في محكمة أبو يعقوب يوسف من سلالة الموحدين. وكان هذا الملك الموحدي راعياً للفلسفة والفلاسفة، وللعلم والعلماء.

وعندما بلغ السادسة والثلاثين من عمره، تم تعيينه في العام (1162) قاضياً في إشبيليا. وبعد سنتين عيّن قاضياً في قرطبة.

وشاءت الظروف أن يلتقي ابن رشد الحفيد، بالطبيب والفيلسوف ابن طفيل العربي الأندلسي، الذائع الصيت، وطبيب العائلة المالكة، فتوطدت الصداقة بينهما، وقرّر هذا الطبيب أن يعرّف صديقه ابن رشد الحفيد، على جلالة الملك، فعرّفه بأنه من أشهر الفلاسفة، وأعلم العلماء، من علم الفلك والطب والقانون، إلى علم النفس والجغرافيا والفيزياء، فسرّ به جلالة الملك كثيراً.

ولمّا حلّ الخليفة أبو يوسف يعقوب، الملقب بالمنصور، محل والده المتوفي أبو يعقوب يوسف، قرّب ابن رشد إليه، فازدادت مكانة الفيلسوف مجداً وسؤدداً، حتى وصل إلى مركز قاضي القضاة في قرطبة، في العام (1181) لأنه كان أكبر من كل المراكز التي تبوأها، ويحبس كل إغراءات المال والمركز، تحت سجادة مكتبه، ويأنف من رفعها يافطة فوق رأسه، ويزين أحكامه وقراراته بميزان يشبه ميزان ربة العدالة تيميس، إلى أبعد حد، ويتمتع بكثير من الفضائل، التي كان يتمتع بها كل من أفلاطون وأرسطو، ومنها: فضائل الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة والمعرفة العلمية والفلسفية.

ولمّا تقاعد ابن طفيل، من عمله كطبيب للعائلة المالكة، قرر جلالة الملك، تعيين ابن رشد مكانه، في العام 1182، رغم أنه كان قد صار قاضياً للقضاة.

وبذلك يكون ابن رشد الحفيد قد جمع المجد من كل أطرافه: طبيب العائلة المالكة، وقاضي القضاة في قرطبة، وفيلسوف يأسر الألباب بأفكاره، ويحظى برعاية غير مسبوقة من قبل جلالة الملك، صاحب القرار، في إدارة شؤون المملكة، بدون منازع، وبدون أية سلطات رقابية.

وممّا زاد في تألقه ونفوذه، وكثرة حسّاده ومبغضيه، هو أنه ألف (108) كتب موزعة على (7) أصناف هي :

1) مؤلفات علمية تشتمل على إجتهادات في مجالات مختلفة، كالفقه، في كتاب المجتهد ونهاية المقتصد، والطبابة في كتاب الكليات في الطب.

2) الردود النقدية كرد على أبي حامد الغزالي في كتاب الضحية، وكتاب فصل المقال، وكتاب تهافت التهافت، ورده على الأشاعرة في كتاب الكشف عن مناهج الأدلة.

3) المختصرات التي يدلي فيها ابن رشد بآراء إجتهادية، ويعرض فيها ما يعتبره ضرورياً في الموضوع الذي يتناوله، ككتاب "الضروري في أصول الفقه"، أو في كتاب "المستصفى، وكتاب "الضروري في النحو".

4) شروح ابن رشد لكتاب أرسطو عن الروح.

5) مقالاته.

6) كتبه ومنها: كتاب الكليات في الطب، وكتاب الحيوان، وكتاب المسائل في الحكمة، وكتاب جوامع كتب أرسطو في الطبيعيات والإلهيات، وكتاب شرح أرجوزة ابن سيناء وكتاب تهافت التهافت، الذي رد فيه على كتاب أبي حامد الغزالي: "تهافت الفلاسفة".

7) تلاخيصة مثل تلخيص وشرح كتاب ما بعد الطبيعة، وتلخيص كتاب الرهان، وتلخيص كتاب المقولات.

الفقرة الحادية عشرة: حسد أفراد الحاشية الملكية يدفعهم إلى تركيب ملف جنائي ديني لإبن رشد

إن المنزلة السامية التي وصل إليها قاضي قضاة الأندلس، الفيلسوف الفذّ ابن رشد الحفيد، ولّدت حقداً متزايداً لدى البطانة الملكية... فراح أفرادها يرسمون المخططات المحبكة للإيقاع به... فوجدوا أن أفضل وسيلة، لإغضاب جلالة الملك عليه، هي الإيقاع به دينياً، عن طريق التشكيك في صدق إسلامه، وترويج الشائعات بأن أصله يهودي، ولا هم له غير تقويض حكم الشريعة الإسلامية، وإلاّ لما تجشم العناء وألّف كتاب "تهافت التهافت"، للرّد على الفقيه العالم المسلم الحقيقي، أبي حامد الغزالي، صاحب كتاب: "تهافت الفلاسفة".

وعندما وصلت هذه الأخبار إلى مسمع الخليفة، الملك المثقف جداً أبي يوسف يعقوب المنصور، رفضها في بادئ الأمر... وأراد أن يضع حداً لها، لأنها تمسّ دولة الموحدين، في أهم أركانها، أي ركن محبة العلماء وتقديرهم وتكريمهم، وعدم السماح لأحد أن ينال منهم.

سكت الحاسدون بعض الوقت، لكنهم لم يصرفوا النظر عن تركيب ملف دينيّ جنائيّ قضائيّ، ضد ابن رشد الحفيد، فأسرّوا في إذن جلالة الملك، أن صديقه ابن رشد الحفيد، يكثر من زياراته إلى شقيقه الأمير يحي والي قرطبة، لأنه يفضله عليه، ويحاول بشتى الوسائل، ليحلّه محلّه في حكم البلاد... فرفض جلالة الملك ظاهراً هذه التهمة، لكنه كتمها في داخله للتحقق منها بصورة جازمة... فاستدعى ابن رشد، بعد شهر إلى قصره، فحضر ليسمع جلالة الملك يقول له: يا قاضي القضاة في دولتنا المؤزرة، بلغني أنك تنظر في دعوى فلان بن فلان المتهم بقتل فلان. ولهذا أطلب إليك أن تصدر الحكم بإعدامه، عملاً بمبدأ القاتل يقتل ... فأجاب قاضي القضاة!

يا صديقي الملك!

لا يكفي أن يقتل المرء غيره، ليطلب جلالة الملك إلى القاضي أن يصدر حكماً بإعدامه تحت شعار القاتل يقتل... إنما يجب على القاضي أن ينظر إلى كل جريمة بمفردها، فيبحث عن ظروفها وأسبابها... ليختار بعد ذلك الحكم المناسب.

لم يعجب هذا الجواب جلالة الملك... لكنه كتم غيظه وقال متمتماً ... "هيك لكان"؟!" يظهر أن ابن رشد شب على الطوق، ولم يعد يسمع ما نطلبه منه"؟!

وبعد أسبوع على هذا الحديث... تأكّد جلالة الملك، من الصداقة القائمة، بين شقيقه الأمير يحي والي قرطبة، وبين قاضي القضاة، فأمر بقتل شقيقه، خوفاً من منازعته في ملكه .

وفي ذات الوقت، إستدعى قاضي القضاة ابنَ رشد الحفيد، في العام 1195، إلى المسجد الجامع في قرطبة، دون سابق إنذار، لمحاكمته بتهمة الزندقة، أمام حشد وافر، من الحسّاد والجهّال والمتعصبين، وبدأت المحاكمة الكيدية الإفتراضية، التي تصورناها، على الوجه التالي:

س : إسمك؟ ومركزك؟

ج : ابن رشد الحفيد... وقاضي قضاة الأندلس. ألم تعد تعرفني يا جلالة الملك؟

س : لماذا ألّفت يا قاضي القضاة! كتاب تهافت التهافت؟

ج : لأرد فيه على الفقيه أبي حامد الغزالي، الذي ألّف كتاب "تهافت الفلاسفة".

س : ما هي مآخذك على أبي حامد الغزالي؟

ج : كفّر الفلاسفة في كتابه: "تهافت الفلاسفة"، فقررت أن أرد عليه في كتاب "تهافت التهافت"... لأدحض مقولاته وتصوراته، وأحول دون تشويه صورة الفلاسفة في عيون الناس وأولي الأمر، وأمنع تكفيرهم وإخضاعهم للمحاكمة، واضطهادهم...وإلاّ وقعت أمتنا في إنحطاط ليس له قاع.

س : أعطني مثلاً عن التكفير الذي مارسه أبو حامد الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة".

ج : في نهاية كتابه: "تهافت الفلاسفة"، تساءل أبو حامد الغزالي إذ قال: "هل إن الفلاسفة الذين تحدثتُ عنهم كافرون؟ وهل إنهم يستحقون القتل؟ ويستحق القتل ذاته كل من اعتقد اعتقادهم؟"

س : هل إن هذا التساؤل، يستحق كل العناء الذي بذلته لترد فيه على كتاب أبي حامد؟

ج : بعد تساؤله المثبت سابقاً، أجاب أبو حامد الغزالي على ذاته بالقول: إن الفلاسفة الذين تكلمت عنهم، وكل من يعتقد إعتقادهم، يستحقون التكفير فالقتل في ثلاث مسائل هي:

1) مسألة قدم العالم.

2) مسألة الزعم، أن الله عزّ وجل، لا يحيط علماً بالجزئيات الحادثة من الأشخاص.

3) مسألة إنكارهم بعث الأجساد وحشرها.

واعتبر الغزالي، أضاف ابن رشد، أن مناقشة الفلاسفة لهذه، المسائل وآراءهم فيها، لا تتفق مع الإسلام من جهة، وتؤدّي إلى تكذيب ما يعتقده جمهور المسلمين من جهة ثانية.

س : وما هو مأخذك على كلام أبي حامد الغزالي؟

ج : عندما قرأت ما كتبه أبو حامد الغزالي في كتابه: "تهافت الفلاسفة"... ومنه ما أوردته أعلاه، إستغربت أن يكون مؤلّف كتاب تهافت الفلاسفة هو أبو حامد الغزالي، صاحب العلم الوافي، والثقافة الشاملة، والمعلومات الراسخة... واستغربت أن يطرح ما طرح في كتابه، وهو يعلم علم اليقين، أنه لو شاء ربنا جلّ جلاله لخلق الناس أمة واحدة، ولجعل قادة الرأي بينهم يقرأون كتاباً دينياً واحداً، ويفهمونه بطريقة واحدة، ويفسرونه بطريقة واحدة.

أمّا قمة إستغرابي، فقد كانت في تساؤلي بعتب وإلحاح: كيف يجيز فقيهنا الكبير أبو حامد الغزالي لنفسه أن يقول ويتباهى: إن الخلاف في الرأي بينه وبين أي فيلسوف آخر، وكل من يرى رأي هذا الفيلسوف، من عباد الله الكثر، يكون سبباً للتكفير... وسبباً للقتل... تحت ستار إنه أي الغزالي يفهم الدين أفضل ممّا يفهمه الفلاسفة الذين كفّرهم وأباح قتلهم؟ أو إنه يحب الرب أكثر منهم؟!

س : وبعد هذا الإستغراب، ماذا فعلت؟

ج : بعد الإستغراب تساءلت: لو قدر لأبي حامد الغزالي أن يعيش القيامة قبل وقتها، وينتقل بالفكر إلى أندلسنا العظيمة، في أيام جلالتكم، وأيام المرحوم جلالة الملك والدكم، ليرى المنزلة التي وصل إليها العلماء والفلاسفة وقادة الفكر، ويراهم في تألق عطائهم وغزارة كتبهم، وعمق نظرياتهم الفلسفية، وسحر العدالة في محاكمنا... كما حصل في محاكمة عباس بن فرناس، على يد القاضي الشهم العادل سليمان الغافقي... قبل ثلاثة قرون تقريباً، لكان غير رأيه، وصرف النظر عن تأليف كتابه: "تهافت الفلاسفة"، وكان وفّر عليّ الرّد المضني، في كتابي "تهافت التهافت".

س : لنفترض أنه قدر للغزالي أن يعيش القيامة قبل وقتها، وأن يحضر بالروح إلى الأندلس، كما تقول، فماذا تكون النتائج؟

ج : لو حضر أبو حامد الغزالي إلى الأندلس، في أيام جلالتكم لكان غير رأيه... وأقلع عن بدعة تكفير أصحاب الفكر، وتحليل القتل لمجرد الخلاف في الرأي، ولكان انحاز إلى رأيي في المنازلة الفكرية، التي جرت بيني وبين العالم الصيدلي ابن زُهر، المولود في إشبيلية والمتحمس لعظمتها، كما أنا متحمس لعظمة قُرطبة التي ولدت فيها... ولكان قال مع الشاعر الأندلسي:

بأربـعٍ فاقـــــت الأمصـــارَ قرطبـــــةٌ منهــــنّ قنطــرة الــوادي وجامعهـــــا

هاتـــــان إثنتــــــان والزهـــــــراء ثالثــــةٌ والعلم أعظـم شيءٍ وهـو رابعها

س : بلغني أنك أوردت عبارة في كتاب الحيوان تقول فيها: "رأيت زرافة عند ملك البربر"، أي لديّ أنا الخليفة المنصور... الملك العربي المؤصل، فماذا تقصد بذلك؟ هل تريد أن تحقّرني، كما يفعل أصدقاؤك اليونانيون، الذين يطلقون على العرب لقب البربر؟

ج : معاذ الله يا جلالة الملك...فأنا أوردت في كتابي: رأيت الزرافة عند ملك البرّين، أي برّ المغرب، وبرّ الأندلس، تعظيماً لجلالتكم، لأنكم تستحقون كل تعظيم، فنقل الحاسدون العبارة مشوهة إلى جلالتكم، وحولوها إلى "ملك البربر" ليشعلوا نار الغضب لدى جلالتكم ضدّي، وقد سبق لجلالتكم أن سألتموني عن هذه المسألة قبل شهور، فأخبرت جلالتكم حقيقة ما جرى، وفتحتُ أمامكم صفحة الكتاب التي وردت فيها هذه الجملة.

س : أخبرني بعض أهل الحكمة والكفاءة، من الذين يأخذون عليك المآخذ، بأنك قلت في أحد تلاخيصك الفلسفية: "إن كوكب الزهرة هو أحد الآلهة"... فماذا تقول؟

ج: معاذ الله يا جلالة الملك... فأنا رجل مؤمن... ولا أؤمن إلاّ بإله واحد جل جلاله هو الرحمن الرحيم ، خالق السماوات والأرض، ومالك يوم الدين.

ومنعاً للإلتباس، والتزاماً بالصدق الذي يلازمني في أقوالي وأفعالي، أوضح بأني تكلمت في كتابي عن الكواكب السيارة وهي: عطارد والزُهرة والأرض والمريخ والمشتري وزحل. وقد ورد ذكرها في سورة التكوير في القرآن الكريم، بإسم "الجوارِ الكنّس"... وأضفت إلى هذا الكلام عن الكواكب السيارة، قولي:

إن عدم فهم الشعوب القديمة، لسبب وجود هذه الكواكب السيارة، التي يلاحظون سيرها، أثناء الليل، بين النجوم، حملهم على إعتبارها آلهة، وراحوا يعبدونها إلى جانب الشمس والقمر.

س : لقد سألتك عن كوكب الزُهرة تحديداً، فماذا تقول بشأن هذا الكوكب؟

ج : لقد تطرقت في كتبي إلى ما كان يعتقده الأقدمون حول بعض الكواكب، ومنها كوكب الزهرة فقلت: كان البابليون يطلقون على كوكب الزُهرة إسم عشتار أو عشتروت، ويعتبرونها تمثل الأنوثة والحب... ولهذا أطلقوا عليها إسم إلهة الحب.

وأطلق اليونانيون القدماء على كوكب الزُهرة ذاته إسم إلهة الحب... وسمّوها أفروديت.

وبدورهم أُطلق الرومان على الزُهرة إسم Vénus لتكون إلهة الحب عندهم.

س : وماذا تقول إذا عرضت عليك هذه الورقة، التي تحتوي على عبارة الكفر المذكورة أعلاه، وهي مكتوبة بخط يدك؟

ج : إن الورقة التي عرضتم عليّ مكتوبة بخط يشبه خطي... لكنه ليس خطي... وأعتقد أن الذي كتبها واحد من حسّادي الكثر، ولا أستغرب أن يكون واقفاً بين الجمهور هنا، ويضحك في سرّه، فرِحاً مسروراً، لأنه تمكن من الإنتصار عليّ، في إغضاب جلالتكم ضدّي... إذ اجتزَأ من كلامي عن الكواكب السيارة، ومن رأي القدماء في كوكب الزّهرة، عبارة يتيمة سلخها عن محيطها وبيئتها اللغوية والفكرية والتعبيرية، وعرضها أمام جلالتكم عارية تماماً، ومعزولة تماماً، فقرأها أمامكم، وزعم أني أنا قلت: إن كوكب الزهرة إله، فظهرت بمظهر الكفر، الذي تسألونني عنه.

س : ما رأيكم لو قلنا: لعن الله من كتب هذه العبارة؟ هل تجرؤون على تردادها معنا ومع الحاضرين؟

ج : نعم أرددها بالفم الملآن، والصوت العالي، فأقول: لعن الله من كتبها... ومن فصلها عن محيطها وبيئتها... ومن حرّف أقوالي، ومن دسّ الدسائس ضدّي.

س : هل لديك ما تقول بعد؟

ج : أتمنى على جلالة الملك، أن يثأر لي من خصومي، الذين لا يجرؤون على منازلتي بالأفكار وجهاً لوجه... إنّما يلجأون إلى دسّ الدسائس، وإطلاق الشائعات في غيبتي لتحريض جلالتكم ضدي... ولهذا أتمنى عليكم أن تنتصروا لي على من ركّب ملف الزندقة هذا، وإن لم تفعلوا، لن يقدر أي ملك من سلالتكم، على القيام بهذا العمل الجليل بعدكم.

إنّما سيثأر لي، ممّن ركّبوا هذا الملف ضدّي، وممّن أوحى لهم بذلك، وممّن صدّقهم لغايات أُخر... فيلسوف عالم من عياري، ومن غير ديني... بعد مئة سنة، أو مئتين، أو خمسمئة، أو ألف سنة... وبطريقة لم ولن تخطر على بال ملوك أو بشر .

س : ماذا تقول أيها الكافر؟ أفصح عمّا ألمحت إليه... وبالسرعة القصوى... وإلاّ ...

ج : إن ما أقدمتَ عليه جلالتكم حرّرني من كل خوف، وحملني على القول: إني أشفق عليكَ يا جلالة الملك... لأنك بمحاكمتي، هدمتَ كل ما بنيته من أجل رفعة الأندلس، ورفعة أهل الفكر فيها، ورفعة الأندلسيين عموماً... عدّ إلى ما كنتَ عليه من مآثر... وتخلّص من أحفاد الكافر ابن مَلْجم، الذي كفّر الإمام علي رضي الله عنه، واغتاله، أثناء الصلاة في الجامع، وتخلّص من أحفاد الكافر الآخر أبي لؤلؤة، الذي اغتال الخليفة الفاروق العادل عمر بن الخطاب... تخلّصْ منهم، قبل أن يحملوك جميعاً، على إغتيالي عندك وأمامك وبيدك. وإلاّ لعنك التاريخ، بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، في الوقت الذي يتم فيه تكريمي، ومن ثم أضاف:

أتمنى للمرّة الأخيرة، على جلالة الملك، من أجل تاريخه الناصع، وليس من أجلي أنا، أن يقرأ، قبل إصدار حكمه ضدّي، وقبل أن يقوم الحاسدون بتدبيج "حيثيات المنشور، أو حيثيات الحكم، لتبرير المحاكمة الكيفية التي أجريتموها لي، أن يقرأ ما حصل من تنكيل بمترجم كتب اليونان إلى العربية، العالم أبي بِشر متى، في مجلس الوزير ابن الفرات، حيث تعرّض له الحاسد أبو سعيد السيرافي، قائلاً: نحن العرب، لسنا بحاجة إلى منطق أرسطو، الذي تفتخر بترجمة كتبه يا أبو بِشر... لأن إجراء لغتنا العربية، في فصاحتها ومجراها الصحيحين، حرفاً وكلمة وجملة، هو المنطق بذاته... وبعد ذلك، أضاف ابن رشد، ستعرف يا جلالة الملك، أن أخطر ما حصل في ذلك المجلس، هو أن الوزير ابن الفرات، إعتبر تصدّي السيرافي، لمنطق أرسطو، وتسفيه مقولاته، نوعاً من الإنتصار للسيرافي، وللوزير، وللدين وأهله، كما تعتبر، أنت اليوم، محاكمتي الكيدية إنتصاراً لجلالتكم، وللوشاة الحاسدين، دون أن تقيم أي حساب، لقادة الفكر والرأي، في الآتي من الأيام.

الفقرة الثانية عشرة: صدور الحكم بجرم الزندقة، وإعلان المنشور، أو قرار الإتهام المستأخر، الذي يبرر الحكم القاسي المزلزل.

النبذة الأولى: صدور الحكم

بعد إنتهاء المحاكمة، وخروج ابن رشد منها مظلوماً أقوى من ظالمه، ومرفوع الرأس تيّاها، جن جنون الملك مّما يراهُ، وممّا سمعه، على لسان ابن رشد الحفيد، فأمر بعض خاصته بقراءة ما تيسّر من كتب "الكافر الزنديق"، والمغرور المتشاوف، قاضي قضاة الأندلس، وطبيب العائلة المالكة، ابن رشد الحفيد... وتقديم ملخصاً عنها ... فتم ذلك بعد شهر، وقد أرّخه أحد المؤرخين الكبار إذ قال:

لمّا قُرئت فلسفة ابن رشد في المسجد الجامع وتم التداول ببعض أغراضها ومعانيها، وقواعدها ومبانيها، خرجتْ بما دلّت عليه أسوأ مخرج فأمر الخليفة طلبة مجلسه وفقهاء دولته بالحضور إلى جامع المسلمين، وتعريف الملأ بأن قاضي القضاة ابن رشد الحفيد ، قد كفر بالنعمة ومرق من الدين، وأنه استطاع بمكره ومروقه، أن يخفي حقيقة أصله... فأصله يهودي من يهود بني إسرائيل... وليس له أي أصل بين أصول القبائل العربية... ولهذا لا يحق له أن يسكن بيننا... ولا أن يدخل جوامعنا... فقررنا نفي هذا الكافر الزنديق إلى بلدة أليسانا، القريبة من قرطبة، والمسكونة من اليهود أجداده وإخوانه وأبناء جلدته... وإجباره على الإقامة فيها...وإبلاغه هذا الحكم.

وروى المؤرخ ذاته أيضاً: إن أخطر ما تعرّض له ابن رشد الحفيد في المحاكمة وما تلاها، هو أنه قال: "إن أعظم وأصعب ما مرّ في حياتي، أثناء محنتي في نكبة محاكمتي، وما تلاها هو إني دخلت مع ولدي عبدالله، وبعض من تلاميذي، مسجداً في قرطبة، عندما حان وقت صلاة العصر، فثار ضدنا بعض سفلة العامة وأخرجونا منه دون خجل، من بعد أن كانوا مع غيرهم يجرون نحوي كلّما رأوني، ليفوزوا بنظرة رضى مني".

الفقرة الثالثة عشرة: الملك يكتشف الحقيقة، بعد عامين من المحاكمة، فيعمد إلى تبرئة الفيلسوف ابن رشد الحفيد، ويعيد له إعتباره بإبطال الحكم الذي أصدره، والقيام بتكريمه

بعد صدور الحكم، على ابن رشد الحفيد، وفرض الإقامة الجبرية عليه، في بلدة أليسانا، التي يسكنها جماعة من اليهود، بقي هذا الفيلسوف المظلوم محافظاً، على إيمانه في الصلاة والصوم، وعلى نزعته الفلسفية ، دون اللجوء إلى التأليف، إحتراماً للحكم الذي أصدره جلالة الملك، بتحريم التأليف في المجال الفلسفي.

وفي ذات الوقت، تأثر الملك أبو يوسف يعقوب بما سمعه، من ابن رشد، أثناء المحاكمة... فحلّ القلق عنده محلّ النوم، والهم محل راحة البال، والشرود محل صفاء الذهن... وحلّ الإنقطاع عن مجالسة أهل الفكر، محل اللقاءات الدورية التي كان يدعوهم إليها، للتداول بشؤون المملكة، ومناقشة آخر الإبتكارات العلمية، والعطاءات الفكرية.

ولمّا لاحظ المقربون منه هذه التغيرات، سألوه عن السبب، فكتم الأمر، وعمد إلى السفر نحو الغرب، على أمل منه، بقبس من أنوار الحقيقة يقذفه الله في صدره وأمام ناظريه، ليكشف له المستور فيريحه. وهذا القبس لا بد أن يكون إمّا أدلّة جديدة على كفر وزندقة ابن رشد الحفيد. وإمّا أن يكون أدلّة جديدة على صدق إيمانه، وخطل ما أدلى به الحاسدون.

ولمّا وصل في رحلته إلى إشبيلية، إستقبله أعيانها في الجامع... وفتحوا الحديث أمام جلالته، عن معرفتهم بابن رشد الحفيد، منذ أن كان قاضياً في مدينتهم، وشهدوا أمام جلالته بأنه كان من أشد الناس إيماناً، وأعدل القضاة في أحكامه، وأنهم لم يلاحظوا أية سقطة في تصرفاته.

فاغتبط جلالة الملك بما سمع. ولمّا عاد إلى قصره، إستدعى كل أعوانه، وأصدر قراراً، بإبطال حكم الزندقة والإبعاد إلى بلدة أليسانا، والإقامة الجبرية فيها، وإعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل تلك المحاكمة-العار، وتم إستدعاء ابن رشد إلى القصر الملكي في مراكش مع صحبه الذين لم ينكروه في محنته، وقام جلالته بتكريمهم، وأعاد ابن رشد إلى الوظائف التي كان فيها قبل محنته، وتم في ذات الوقت إبعاد الحاسدين المنافقين، عن القصر الملكي.

لكن القدر لم يشأ أن تكتمل سعادة الفيلسوف ابن رشد الحفيد، بإعادة الإعتبار إليه، لأنه أصيب بمرض عضال، بسبب الظلم المتعمّد الذي وقع عليه، فتوفي في العام 1198، أي بعد عام على إستعادة حقوقه، ومن ثم تم نقل جثته إلى قرطبة، فحزن عليه جلالة الملك حزناً شديداً، لكنّه لم يمشِ في جنازته، كما مشى في جنازة الفيلسوف ابن طفيل في العام 1185. ونقدر أنه لم يفعل ذلك، خوفاً من قيام بعض المشيعين، بتحميل صاحب الجلالة، المسؤولية الكاملة عن محنة ابن رشد علناً، فتصبح سابقة خطيرة، تتكرر في كل المناسبات.

وفي مجال الوفاة، يُروى عن محي الدين بن عربي، الذي عاش ما بين العام 1164 والعام 1240م أنه قال: شهدت جنازة ابن رشد الحفيد، الذي توفي في مراكش... فشارك فيها كبار القوم، ومن ثم نقلت جثته إلى مسقط رأسه في قرطبة. وأضاف ابن عربي: وحضرت تحميل جثة ابن رشد على ضهر أحد "الأحصنة"، إذ وضع التابوت على جانب، ووضعت كتب ابن رشد على الجانب الآخر من أجل التوازن.

وبعد هذه التطورات، بدأ التاريخ، بإنصاف ابن رشد على مدى أكثر من ثلاثة قرون في أوروبا وبترداد القول: لم يحسن الملوك العرب تكريم مبدعيهم في أي مجال. أمّا ملوك الغرب وبعض رجال دينهم، فقد كانوا أعدل وأرحم.

وللتاريخ نقول:

1-إن الفضل، في الشروع بترجمة كتب الفلسفة العربية، ومنها فلسفة ابن رشد، إلى اللغة اللاتّينية، يعود لرئيس أساقفة طليلطة المونسنيور دريموند.

2-إنّ الأمبراطور فريديرك الثاني، ملك صقلية، إستدعى العالم اليهودي يعقوب آناتولي من مرسيليا، لتدريس اللغة العربية، التي يتقنها في جامعة نابولي، وطلب إليه ترجمة شروح ابن رشد الكثيرة من العربية إلى اللاتينية، لأنها تشكل منارة كبرى على طريق التطور الحضاري.

3-ولمّا أراد الملك الفرنسي، لويس الحادي عشر، إصلاح التعليم الفلسفي في العام 1473، طلب من أساتذة المدارس، تعليم فلسفة أرسطو وشرح ابن رشد عليها، لأنه ثبت أن هذا الشرح هو الأهم والأشمل بين كل الشروح.

4-وكان إنتصار فلسفة ابن رشد، قد بدأ في القرن الثالث عشر، في كلية Padoue أو Padova المشهورة في إيطالياً، واستمرّ زمناً طويلاً بفعل المحاكمة – العار، التي أجريت لهذا الفيلسوف الرائد والعظيم، وتنديداً بها.

المحامي الدكتور منيف حمدان