دائما ما يفشل اللبنانيون باستثمار الفرص الذهبية السانحة امامهم في السياسة، اذ كان أمامهم منذ أسابيع فرصة «نادرة» لتشكيل حكومة بعيدا عن المواقف الاقليمية والدولية، وتحقيق إيجابيات معينة للاقتصاد اللبناني، ولكنهم بدل ذلك أمعنوا في فرض الشروط على بعضهم البعض، وتقاسم الحصة، والتفاوض بمعايير مختلفة، ومحاولة سريان الشروط على احدهم بدل كلهم. اليوم لم يعد السؤال حول تاريخ ولادة الحكومة، بل متى يبدأ البحث في تشكيل حكومة جديدة.

أعطى الدكتور حسان دياب نفسه 6 أسابيع لتشكيل الحكومة، وكانت اوساطه تتحدث عن فترة أقل بكثير، ولكن دياب لم يستفد من الوقت ولا من التسهيلات الكبرى التي قدمتها القوى السياسية له، رغم أن أسباب الفشل بتشكيل الحكومة حتى اللحظة تقع على عاتق الجميع، فالعقد الحالية ثلاث، للرئيس المكلف نصيبه منها أيضا، حيث تكشف مصادر سياسية مطلعة على عملية تشكيل الحكومة أن كل العقد التي ظهرت مع بداية عمل دياب تم حلّها، فلا عقدة سنّية استمرت، ولا عقدة درزية صمدت، إنما المشكلة الأساسية أصبحت في مكان آخر.

وتضيف المصادر: «لم يكن سهلا بالبداية إقناع رئيس المجلس النيابي نبيه بري وحزب الله بحكومة اختصاصيين صرف، كما لم يكن سهلا إقناعهما بعدم توزير أي من الوجوه الوزارية القديمة»، وهنا للمناسبة تؤكد المصادر أن الاتفاق كان على أن لا يُوزّر أي من الوجوه الوزارية السابقة ولم يكن الأمر متعلقا فقط بوزراء من حكومة تصريف الأعمال، مشيرة الى أن هاتين النقطتين سار بهما الفريق الشيعي رغم عدم قناعته بهما، ورغم ذلك لم تتحقق نتائج إيجابية.

وتشير المصادر الى أن العقدة الاولى من العقد الثلاث التي نتحدث عنها هي مطالب الرئيس المكلف، اذ بعد أن كانت مطالبه متعلقة بشكل الحكومة، أي حكومة اختصاصيين، وعدد الوزراء، أي 18، باتت المطالب تتوسّع وتكبر بظل غياب معايير موحدة، حتى طالب مؤخرا بتوزير مسيحيين اثنين، زياد بارود، ودميانوس قطّار، والإسمان هما من الوجوه الوزارية القديمة، مع العلم أن هذا المطلب انطلق من إرادة دياب تسمية مسيحيين لكي لا ينحصر في وزراء سنّة، ومن ثم طالب بالحصول على حقيبة سيادية من التيار الوطني الحر، ربما لكي يواجه بها «الثورة»، الأمر الذي اوصل لحائط مسدود، وهنا نصل الى العقدة الثانية.

وتلفت المصادر الى أن العقدة الثانية تمثلت بتعاطي رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل مع هذه الحكومة كتعاطيه مع الحكومات السابقة، ولو أن الأمر قد يُعتبر حقّا له في السياسة، ولكن كان لا بد من تعاط مختلف، مشددة على أن حجم مطالب باسيل كان كبيرا، وجعل دياب متحسسا منها ومن انعكاسها عليه في الشارع، خصوصا بعد أن ظهرت أغلب تسميات باسيل الى العلن، وبان منها المستشار والصديق والقريب، الامر الذي يصعّب عملية تقبّلها في الشارع.

أما العقدة الثالثة، فهي تلك المستجدة في المنطقة، وتكاد تكون الأكثر تعقيدا الآن، الا وهي اغتيال سليماني وتأثير هذا الأمر على المنطقة ككل، اذ تلفت المصادر الى أن عملية الاغتيال فرضت نفسها ولا يمكن لحكومة خالية من السياسيين أن تحكم في منطقة مشتعلة أمنيا وسياسيا، لذلك عاد مطلب الحكومة التكنوسياسية الى الواجهة، ومطلب تفعيل حكومة تصريف الأعمال أيضا لأن المرحلة المقبلة، وإن كانت التوقعات تشير الى أنها لن تكون طويلة، ستكون مرحلة الترقّب، وفيها، لا حكومة ولا اعتذار، الا بحال حصلت معجزة وتشكّلت الحكومة.

وعن وجهة نظر أصحاب مبدأ التكنوسياسية، ترى المصادر أن الحكومة المقبلة يجب أن تضم اختصاصيين يضعون الخطط للنهوض بالوضع الاقتصادي، وسياسيين يجنبون لبنان آثار ما يجري من أزمات سياسية، وبالتالي نحن لم نعد الى نقطة الصفر في مفاوضات تشكيل الحكومة بل ربما الى ما دون الصفر، مشيرة الى أن الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات مستقبلا.