يلجأ البعض ممن يعتبرون انفسهم ان لديهم كل الوصفات للواقع المأزوم، الى اعتبار ان قيمة الدولار الحقيقية اليوم هي ثلاثة الاف ليرة بالتمام كما هي وصفات ونصائح صندوق النقد الدولي وجهات مالية دولية اخرى التي ترى ان المدخل للحد من الانهيار المالي يكون اما بتثبيت سعر الدولار عند ثلاثة الالاف ليرة، او ترك السوق يحدد السعر يومياً، مع كل التداعيات السلبية التي يتوقع ان تنتج من هذين التوجهين.

وعلى خلفية هذه الوصفات يؤكد خبير مالي بارز ان التسويق لارتفاع الدولار انطلاقاً من هاتين الوصفتين سيوصل الواقع الاقتصادي والمعيشي الى مسارات خطرة، عدا عن الانعدام الكامل للثقة بالدولة ومؤسساتها المصرفية والمالية وما ينجم عن ذلك من تداعيات يصعب لسيطرة عليها.

فالانهيار او حدود الانهيار الذي بلغته البلاد اصبح واقعاً ولا يمكن لاي كان التلطي وراء اي استنتاجات خاطئة للتخفيف من الواقع المأزوم على كل المستويات، خاصة على المستويين المالي والنقدي، لكن هذا التفلت في اسعار الدولار في الاشهر الاخيرة انتجته السياسات الخاطئة وسياسيات المحاصصة من جانب اهل السلطة، ومن جانب السياسات التي اعتمدت، ولذا يوضح الخبير المالي، انه لو لم ترتكب كل هذه السياسات لما وصل الوضع المالي ومعه فقدان السيولة بالدولار الى ما وصل اليه اليوم انطلاقاً من الاتي:

1- ان لبنان ليس دولة مفلسة بل دولة منهوبة، فالنهب الذي استهدف اموال الدولة يقدر بعشرات مليارات الدولارات في وقت يتم التأكيد ان مبالغ الهدر بمئات مليارات الدولارات، فالى جانب ما تتحدث عنه الاوساط المالية الدولية من وجود اكثر من 300 مليار دولار لاثرياء في الخارج، بحيث ان نسبة كبيرة من هذه الاموال حصل عليها اصحابها بطرق غير شرعية، ومن خلال الصفقات والتداعيات على املاك الدولة والتهرب الضريبي والجمركي، يضاف الى ذلك ان هناك مبالغ ضخمة طارت من الاموال العامة نتيجة السمسرات التي تصل في كل مرافق ومؤسسات الدولة، وتكفي الاشارة الى ما يزيد عن 600 مليون دولار تهدر سنوياً من الضرائب على المخالفات البحرية، ومئات ملايين الدولارات من سمسرات وتنفيعات في شركتي الخليوي واوجيرو وما يزيد من خسائر تقدر بما لا يقل عن 800 مليون دولار تقريباً في مرفأ بيروت، فيما هناك مئات المرافق والمؤسسات الاخرى التي ينخرها الفساد والهدر.

2- السياسات الخاطئة التي نخرت الموازنات السنوية للدولة، من خلال الاصرار على منطق المنافع المالية في كل الموازنات منذ العام 1994، وحتى اليوم، والتي كلفت الخزينة مليارات الدولارات، والامثلة على ذلك بالمئات، ففي مشروع موازنة العام الحالي، التي يتوقع ان يقرها مجلس النواب قريباً، جرى تخفيض الف مليار ليرة من المنافع المالية، فيما يؤكد الخبير المالي ان التخفيض في الانفاق يمكن ان يصل الى ما بين اربعة وخمسة الاف مليار، لو كانت هناك نية ورغبة لدى المسؤولين في الحكومة، ولدى الجهات المالية والمصارف، بجدولة الديون على الدولة بما يتيح تخفيضات كبيرة على الفوائد وكذلك وفق انفاقات كبيرة غير ضرورية بكل مواقع الدولة المدنية والامنية وبالاخص تصفية عشرات المؤسسات والمجالس التي لا مهمة ولا دور لها سوى التنفيعات المالية.

3- عدم لجوء الحكومات المتعاقبة الى استسهال الاستدانة من المصارف اللبنانية بدلاً من خطوات اساسية وشاملة للاصلاح ووقف الهدر، ما رتب على الخزينة والدولة ديوناً وصلت الى ما يزيد عن 86 مليار دولار، وفوائد سنوية بحدود خمسة مليارات دولار، الى جانب اعطاء الاولوية للسياسة الريعية على حساب تنمية القطاعات الاقتصادية والزراعية والصناعية، ما افقد لبنان مزايا كبيرة وأفقم العجز الضخم في ميزان المدفوعات وبلوغ تكلفة الاستيراد الى ما يزيد عن 200 مليون دولار في مقابل ثلاثة مليارات دولار من التصدير.

4- ما اعتمد من سياسات نقدية طوال السنوات الماضية ممّا حمل الدولة خسائر كبيرة تصل الى سبعة مليارات دولار الى جانب اعتماد الفوائد العالية على الودائع وسندات الخزينة ما ادى الى استسهال الرساميل التوجه نحو هذه الخيارات للاستفادة بمبالغ ضخمة وكل ذلك ساهم بشكل كبير في استمرار السياسية الريعية على حساب الاصلاح وتحريك عملية الانتاج.

5- ما لجأت اليه المصارف في الاشهر الماضية من تحويلات ضخمة الى الخارج، في مقابل تعمد الحكومة المستقيلة الرهان على الخارج وعلى قروض «سيدر» ومن ثم تلكؤ رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري في تصريف الاعمال وترك امور البلاد على «حابلها» خاصة ماليا ونقديا، وكل ذلك انتج تراجع السيولة بالمصارف خاصة بالدولار واستتبع ذلك اجراءات مشددة على سحوبات المودعين الصغار ما ادى الى هلع وفقدان الثقة لدى المودعين ولجوئهم الى محاولة سحب ودائعهم بعد ان كان بعض متوسطي الحال اخرجوا بما يصل الى ثلاثة مليارات دولار ووضعوها في منازلهم، نتيجة فقدان الثقة وخوفهم على ودائعهم في المصارف.

ويضيف الخبير المالي ان كل هذه المعطيات افسحت في المجال امام الصيارفة وفئات واسعة ممن لديهم اموال نقدية للتلاعب بسعر الليرة اللبنانية من خلال ما يحصل بصرف الدولار لدى الصيارفة، فيما الحكومة لا تتحرك لوقف مافيات تجار الدولار وتجار تجويع اللبنانيين.

6- صراع اهل السلطة على الامساك بالدولة ومفاصلها، عبر الفراغ الذي عاشته البلاد لفترات طويلة في تشكيل الحكومات وفي «شد الحبال» حول انتخاب رئيس للجمهورية سواء الرئىس العماد ميشال عون او الرئىس السابق ميشال سليمان وتليه الازمة الكبري التي نتجت من اغتيال الرئىس رفيق الحريري.

7- سياسة الفوضى التي تعمدت حكومة الرئىس نجيب ميقاتي ومن بعدها حكومتا الحريري بالتعاطي مع مسألة النازحين السوريين حيث كانت لهذه السياسة تداعيات سلبية كبيرة على المالية العامة والاقتصاد اللبناني واليد العاملة، بل ان الاكثر خطورة تعمّد هذه الحكومات «طم الرأس في الرمال» ورفض التنسيق مع سوريا لإعادة النازحين حتى ان هذه الحكومات لم تواجه المجتمع الدولي بمواقف جدية حتى يساهم في تمويل اعباء النازحين كما قالت الحكومة التركية في وقت معظم المساعدات التي منحها المجتمع الدولي للنازحين والدولة ذهبت بالتنفيعات والسمسرات.

لذلك يؤكد الخبير المالي انه بغض النظر عن النتائج الضخمة التي اكتسبها لبنان وماليته العامة وكل المرافق الاخرى في الدول لو كانت هناك سياسات معقولة في الملفات المذكورة ففي امكان الحكومة الجديدة في حال كانت هناك نيات جدية بالمعالجة من جانب اهل السلطة وقواها السياسية والمختلفة اتخاذ اجراءات سريعة للحد من الانهيار في المرحلة الاولى وخطوات واجراءات يحتاج بعضها الى فترات مختلفة من شأنها اعادة التوازن للمالية العامة واستطرادا السوق النقدية بما يتيح استقرار سعر صرف الدولار اما بحدوده الرسمية المعتمدة اليوم، واما بارتفاع بسيط عن السعر الحالي، وبالتالي فالحديث عن ان سعر صرف الدولار بثلاثة آلاف او ترك الحرية للسوق لتحديد سعر الصرف يوميا سيفاقم من الازمات ويتيح توسّع الانتفاضة الشعبية الى حدود العصيان المدني وانهيار الدولة.