على وقع تسارع الواقع الداخلي المأزوم وترجيحات الوصول الى الانهيار الشامل، وعلى وقع ارتفاع طبول الحرب في المنطقة، يبقى مسار تشكيل الحكومة يسير خطوة الى الامام وخطوتين الى الوراء، اذا لم يكن عشر خطوات، فيما القوى السياسية المختلفة، المعارضة لتكليف الرئيس حسان دياب والداعمة له، أصابها «العمى والطرش» حيال ما وصلت اليه احوال البلاد والعباد من كل مقومات الحياة الضرورية، وما بلغه الوضعان المالي والنقدي، حتى أن اهل السلطة - كما يقول مصدر سياسي مطلع - اصابهم ما اصاب «أهل الكهف» من نوم لما يزيد عن 300 سنة، لكن بعكس غايات هؤلاء، الذين أجبرهم حاكماً يدعى «ديتانوس» والذي كان يحكم مدينة اسمها انشوس واجبرهم على ترك الدين المسيحي لاعتناق افكاره وعقائده.

ووفق معطيات المصدر، بأن عملية تأليف الحكومة دخلت في الساعات الماضية مجدداً في كل الخيارات السيئة، والتي لا تبشّر بحد أدنى من المسؤولية لدى معظم القوى السياسية في الاتجاهين فالقوى المعترضة على تكليف دياب وطبيعة التشكيلة التي يجري العمل على انجازها بصدد اعطاء فرصة للرئيس المكلف، ولا الاطراف السياسية التي ينتظر ان تشارك بها، اذا لم تعد الامور على نقطة ما قبل التكليف - متفقة على طبيعة التشكيلة وضرورة خروجها عن سياسة تقاسم الحصص من حيث الأسماء والحقائب.

والواضح، ان دعوة الرئيس نبيه بري لتشكيل حكومة جامعة وطنياً وسياسياً، لم تأت من فراغ، وانما فرضتها تداعيات الوضع الاقليمي وما حملته الايام الاخيرة من مخاطر بعد اغتيال اللواء قاسم سليماني، من جهة، وتسارع الانهيار الداخلي من جهة، وما أكد عليه الرئيس بري من خطر الواقع المأزوم لبنانيا من جهة ثانية.

الا ان هذه الدعوة - كما يقول المصدر - تبدو من المستحيلات ان يتم تحقيقها في ظل الصراعات بين بعض القوى السياسية والتي بلغت خطوط اللاعودة وبخاصة بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل والقوات اللبنانية والحزب الاشتراكي، وكذلك مما يضعه الرئيس سعد الحريري وتياره من اشتراطات للمشاركة في الحكومة، إن من حيث رفض المشاركة في حكومة حسان دياب، أو ما كان طرحه الحريري من شروط قبل اعتذاره عن تأليف الحكومة، يضاف الى ذلك غياب الرؤية الموحدة بين القوى السياسية المختلفة لطبيعة التشكيلة الحكومية تكنوقراط او سياسية او تكنو - سياسية، وما يفترضه الانهيار من معالجات جذرية وشاملة وكل ذلك يؤكد ان هذه الدعوة، وإن كانت المدخل الاكثر تأثيراً وايجابا لمعالجة الكمّ الهائل من الازمات والمشاكل التي تعاني منها البلاد، لكنها لن ترى النور، طالما لا مؤشرات لحصول ضوء أخضر اقليمي ودولي لمثل هذه التشكيلة وتحديداً وجود تسهيل سعودي - أميركي لمشاركة حلفائهم في لبنان في حكومة يرأسها دياب، بالتوازي مع حلحلة في المتاريس السياسية المستحكمة بين بعض الاطراف، الى جانب الاقتناع بحكومة تكنو-سياسية تحمل برنامجاً مختلفاً بكل المعايير عن كل السياسات السابقة، وعلى رأسها التخلي عن منطق المحاصصة في الحكومة، وفي كل ما له علاقة بعمل المؤسسات خاصة مالياً ونقدياً.

لذلك، فالسؤال هل يخرج تشكيل الحكومة من «عنق الزجاجة» بعد ان استحكمت الخلافات حول طبيعة التشكيلة وتوزيع بعض الحقائب والأسماء ما بين الرئيس المكلف ووزير الخارجية جبران باسيل؟

في معطيات المصدر السياسي ان ما استجد اقليميا بعد اغتيال اللواء قاسم سليماني ورفاقه، وما استتبع ذلك من دخول المنطقة على خلفية وصول الصراع بين الولايات المتحدة ومحور المقاومة الى حافة نشوب حرب واسعة ولو ان الرد الايراني على اغتيال سليماني من خلال قصف القاعدتين العسكريتين للجيش الاميركي في العراق، فيما تركز القصف على قاعدة عين الاسد في الانبار مما ادى الى خسائر ضخمة وسقوط عدد كبير من القتلى والجرحى وفق ما اعلنته طهران، وفي وقت استهدفت السفارة الاميركية في بغداد لاكثر من مرة في الساعات الماضية مع العلم ان قاعدة عين الاسد هي اكبر قاعدة اميركية في العراق.

والواضح ان كلاً من الولايات المتحدة وطهران لا يريدان الانجرار الى حرب شاملة، لكن كل المسؤولين في ايران ما زالوا يؤكدون ان الرد على اغتيال سليماني يكون بخروج القوات الاميركية من المنطقة، وتفادي الرئيس الاميركي دونالد ترامب القيام برد عسكري على الضربات الايرانية، وكذلك اعلان قائد قوة الجو - فضائية الايرانية العميد حاجة زادة انه كان بامكان الحرس الثوري استهداف مقرات استقرار القوات الاميركية في القاعدة لكنهم تجنبوا ذلك مما يعني بحسب المصدر السياسي ان القيادة الايرانية تحاشت سقوط عدد كبير من القتلى من الجنود الاميركيين حتى لا يؤدي ذلك الى رد اميركي مماثل، ما سيؤدي الى تدحرج الصراع عسكرياً بين واشنطن وطهران.

ورغم هذا التوجه لدى كل من البلدين لعدم الانسياق نحو حرب شاملة، لكن الصراع العسكري لا يزال مفتوحاً على كل الخيارات، ان بحصول ضربات جديدة من جانب ايران او اطراف محور المقاومة تطبيقا لما اعلنته كل القيادات الايرانية وكل اطراف محور المقاومة بفتح معركة اخراج الاميركي من المنطقة، وهذا دفع الرئيس بري امس للتأكيد مجدداً ان الوضع في المنطقة غير جيد والوضع في لبنان يتدحرج.

ولذلك، يوضح المصدر ان الخطوة الاولى لاخراج مسألة تشكيل الحكومة من «عنق الزجاجة» تفترض المسارعة في تشكيلها وليس وضع العراقيل امام التأليف من جانب حلفاء الولايات المتحدة والسعودية، وكذلك اقتناع الاطراف التي ستشكل بالحكومة الخروج من منطق المحاصصة في توزيع الحقائب، والاسماء، وبخاصة ما حصل ويحصل من فيتوات يضعها الوزير جبران باسيل على بعض الاسماء واسناد بعضها لآخرين، وتمسكه بان يسمي كامل الحصة المسيحية في الحكومة ولو انه يتحدث عن اسماء تكنوقراط لا تتبوأ مواقع سياسية في التيار الوطني الحر الى جانب اصرار اطراف اخرى على تسمية ممثلي الطوائف الاخرى.

ومن خلال كل ذلك، فمسار تأليف الحكومة، لا زال في عملية «مدّ وجزر» حيث طارت كل المواعيد والترجيحات لابصار الحكومة النور بسبب المطبات والعراقيل من جبهتي الاطراف السياسية المعترضة والمؤيدة لتكليف دياب وبالتالي فكل ما يطرح عن احتمال خروج «الدخان الابيض» في الساعات المقبلة ليس اكثر من تمنيات او اشاعة اجواء ايجابية لا تنطبق مع واقع الحل بما خص عملية التأليف، في وقت يتدحرج الوضع الداخلي يوماً بعد يوم نحو مزيد من الانهيار والازمات وبالتالي فكل تأخير يحمل الخزينة والمواطنين اعباء ضخمة خاصة في ظل استمرار ارتفاع سعر الدولار لدى الصيارفة الى ما يزيد عن 2300 ليرة.