ما اكد عليه الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في كلمة التأبين بعد ظهر اول امس للشهيدين اللواء قاسم سليماني وابو مهدي المهندس من شفافية ووضوح من ان القرار الاخرق للرئيس الاميركي دونالد ترامب باغتيال القائدين الكبيرين فتح باب القصاص واسعاً على الجريمة وليس اقلها خروج الاميركي من كل المنطقة بدءاً من العراق، بعد ان سبق والحق هذا التأكيد مواقف لا تقل اصرارا للرد على اغتيال سليماني والمهندس من جانب كبار المسؤولين في ايران والعراق حيث جاء قرار مجلس النواب العراقي بالطلب من الحكومة العراقية اسقاط الاتفاقية الامنية مع الحلف الاطلسي بقيادة واشنطن لاقامة قواعد عسكرية في العراق تحت غطاء تدريب الاجهزة الامنية العراقية.

والواضح - وفق مصدر ديبلوماسي مخضرم ان ترامب ومجموعة المحافظين من حوله ورطوا بلاده بوحول متحركة على كامل المنطقة وليس مع ايران اودولة معينة، ولو كان المتمكنين بالقرار الاميركي استسهلوا اغتيال سليماني ورفاقه، متكئين على وهم ما يمتلكه الجيش الاميركي من اسلحة استراتيجية وقواعد في كل دول المنطقة واوروبا وكيان العدو الاسرائيلي.

لذلك، فالسؤال الاول الذي يطرح نفسه منذ عملية الاغتيال المجرمة التي نفذها الاميركي، هل حقق ترامب والفريق المتطرف من حوله الغاية من الجريمة الموصوفة؟

وفق كل تأكيدات القيادة الايرانية، وما قاله الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، فمكانة اللواء سليماني على مستوى محور المقاومة والدور الذي كان مناطاً به هي اكثر من استثنائية في كل مواقع المواجهة مع الاميركي وحليفه كيان العدو الاسرائيلي، ومعهما التنظيمات الارهابية، لكن طبيعة رد ايران ومعها كل اطراف المواجهة للمشروع الاميركي، حوّلت الخسارة باغتيال اللواء سليماني ورفاقه الى مأزق للاميركي وحلفائه على مستوى المنطقة، ولذلك يمكن التوقف عند ابرز تجليات المأزق الاميركي، كما يؤكد المصدر الديبلوماسي كالآتي:

1- الوحدة غير المسبوقة داخل ايران حول القرار السياسي الذي اتخذته القيادة الايرانية، بان الجريمة التي ارتكبها ترامب ومسؤوليته سيدفع ثمنها الاميركي اكثر بكثير مما كانت تتوقعه مراكز القرار في البيت الابيض والبنتاغون، ليس اقله فتح معركة انهاء الوجود العسكري الاميركي في جنوب آسيا، وجاء كلام السيد حسن نصرالله بهذا الخصوص سيحدد طبيعة ما ينتظر ان تقوم به فصائل المقاومة على كل الجبهات لاستهداف الجيش الاميركي وقواعده على كامل المنطقة، وقد شكلت المشاركة بعشرات الملايين في تشييع اللواء سليماني في ايران مفاجأة منزعحة للرئيس الاميركي وادارته.

2- ما حصل في الداخل العراقي من توحد معظم المكونات السياسية في مواجهة الغطرسة الاميركية والانتهاك الصارخ للسيادة العراقية، وتجلّت هذه الوحدة بقرار مجلس النواب العراقي الطلب من حكومته لخروج القوات الاميركية من العراق، بالتوازي مع موقف رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي الذي كان حاسماً بالدعوة لخروج القوات الاميركية، الى جانب المشاركة الشعبية الضخمة في تشييع اللواء سليماني وابو مهدي المهندس، وكذلك مواقف المرجعية الشيعية السيد علي السيستاني من ادانة حاسمة للجريمة الاميركية.

3- ما اكد عليه كل اطراف محور المقاومة من وحدة بين كل هذه الاطراف، وانها جميعاً أصبحت في موقع المواجهة المباشرة مع الوجود العسكري الاميركي في المنطقة، من العراق الى فلسطين ولبنان وكل الساحات الاخرى، الى جانب مواقف حلفاء ايران الحاسمة من رفض «جنون» ترامب لدفع الوضع في كامل المنطقة نحو حروب واسعة.

4- ما حصل داخل الولايات المتحدة من تنديد ورفض واعتراض على تفرد ترامب بالقرار، وعلى فعلته الشنعاء باغتيال اللواء سليماني ورفاقه، التي فتحت «باب جهنم» على الوجود العسكري الاميركي في المنطقة، حيث ان هذه المواجهة المفتوحة سيكون من اولى نتائجها خسائر كبيرة في الجيش الاميركي، وما كان يمثله من الهيمنة الاميركية على مستوى المنطقة، وبالتالي فالحراك الواسع داخل مجلسي النواب والشيوخ في الولايات المتحدة رفضاً لتفرد ترامب بقرار لحرب مفتوحة مع ايران ومحور المقاومة، سيفاقم من مأزق ترامب ويؤدي الى محاصرته في الولايات المتحدة، وعلى مستوى العالم، في ظل الاعتراضات على الجريمة التي ارتكبها ترامب من حلفائه الغربيين، لما لها من تداعيات غير محسوبة على كيان العدو الاسرائيلي المستفيد الاكبر من الجريمة يعيش حالة استنفار وقلق غير عادية خوفاً مما قد يتعرض له كيان العدو من ضربات قاسمة من اطراف محور المقاومة.

لذلك، فالسؤال الاخر، ما هي تداعيات ما افتعله الرئيس الاميركي و«الرؤوس الحامية» في ادارته لاغتيالهم سليماني ورفاقه؟

في اعتقاد المصدر الديبلوماسي ان لا احد يستطيع التكهن بنتيجة الحماقة الاميركية، في ظل تأكيدات كل القيادات الايرانية بدءا من المرشد الروحي السيد علي خامنئي من ان عملية الاغتيال سيكون قصاصها كبيراً على الاميركي والى جانب ما اكدت عليه كل اطراف محور المقاومة وبالاخص السيد حسن نصرالله من فتح المعركة المفتوحة مع الوجود العسكري الاميركي في المنطقة.

فالمعركة والرد ولو انه مرهون بما ستقرره القيادة العسكرية في ايران، ومكانه وزمانه وقد يحصل في اي وقت، لكن المعركة أصبحت مفتوحة، ويقول المصدر أنه اذا كانت ايران ومعها محور المقاومة من جهة والاميركي من جهة ثانية يحاذر كل منهم الدخول في مواجهة مباشرة والذهاب نحو حرب شاملة في المنطقة، لكن في العلم العسكري، لا احد يضمن عدم تدحرج حصول رد ايراني من هنا وصعوبة «بلع» الاميركي لهذا الرد، وما قاله ويقوله ترامب وكبار المسؤولين الاميركيين يشير الى ان الرئيس الاميركي سيلجأ الى الرد على ما قد تقوم به طهران من استهداف لاحد المواقع او القواعد الاميركية او اكثر، وبالتالي فالرصاصة الاولى يمكن التحكم بها، لكن لا احد يستطيع التحكم بالرصاصة الاخيرة.

وعلى هذا الاساس، يتوقف المصدر عند مسألتين يبنى عليهما مسار المواجهة التي فتحت بين الاميركي من جهة ومحور المقاومة من جهة ثانية:

- الاول: طبيعة الرد الذي يتوقع ان تقوم به ايران على قواعد ومراكز عسكرية اميركية في المنطقة ومن ثم ما يمكن ان تلجأ اليه الادارة الاميركية من ردود على هذا الاستهداف، فهل يكون رداً مدروساً بخلاف ما يقوله ترامب وكبار قادته العسكريين، خصوصاً في حال تعرض الجيش الاميركي لخسائر كبيرة.

- الثاني: طبيعة التجاوب من البيت الابيض مع اصرار مجلسي النواب والوزراء في العراق ومعهما كل المكونات السياسية لسحب القوات الاميركية من العراق، امر يجعل ترامب والبنتاغون يلجآن للمماطلة واختلاق التبريرات لعدم الانسحاب، وهو الامر الذي يمكن استخلاصه من الرسالة المنسوبة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة التي تتحدث عن ابلاغ العراق بدء اجراءات الخروج العسكري الاميركي من العراق، وبدء كبار المسؤولين الاميركيين في وقت لاحق على رفض تأكيد حجة الرسالة واعلان وزير الدفاع الاميركي ان بلاده لا تخطط للانسحاب من العراق، في وقت اعلنت معظم المكونات السياسية في العراق عن العودة الى المقاومة المسلحة لاخراج الاميركي من العراق.

من كل ذلك، يؤكد المصدر، الديبلوماسي انه اذا كانت كل اطراف الصراع تحاذر الانزلاق في حرب شاملة، لكن احتمال تدحرج الوضع نحو مواجهة غير محسوبة ليبقى من الخيارات الممكنة، في وقت كان من اولى تداعيات الغطرسة الاميركية باغتيال اللواء سليماني دخول محور المقاومة في مواجهة مفتوحة مع الوجود العسكري الاميركي في المنطقة، ولذلك، فمع انتهاء مراسم التشييع للواء سليماني في ايران، باتت المنطقة والعالم في عملية «حبس انفاس» غير مسبوقة تحسباً للرد الايراني في زمان ومكان تحددها القيادة العسكرية الايرانية.