باتت طرابلس في عمق النفق المظلم وبات اليأس بسبب الأوضاع المعيشية القاهرة يقتل مواطنين طرابلسيين سدت في وجوههم أبواب الرزق وأبواب العيش الكريم. لم يعد الفقر على الأبواب بل اقتحم المنازل خاصة في الأحياء الشعبية الفقيرة في ظل دولة لا تزال تتقاتل على مكاسب ومخصصات دون ان تعي ان في لبنان مناطق شعبية فقيرة تنازع البقاء.

مأساة جديدة في طرابلس قد تلخص حكاية الفقر والجوع والإذلال في مدينة كانت تعرف حتى الامس القريب بانها فيحاء لبنان وبأن فيها من يحلم لان تكون عاصمة اقتصادية للبنان، لانه لا يزال يعيش على أمجاد ماض مضى بعثرته فتن وحروب وتهميش وتجويع وتفقير فأصبحت طرابلس عاصمة فقراء وعاصمة يائسين يحرقون أنفسهم تخلصًا من ذل وهوان.

آخر المنتحرين حرقا عبد القادر الجنكي في منطقة المنكوبين وكأن اسم المكان ألقى بردائه على عائلة الجنكي الذي وجد نفسه مهددا بالتشرد رازحا تحت الديون وليس من كوة يتسلل منها ضوء امل فأحرق نفسه واحترق معه المنزل وقلوب عائلته وأهله.

هي قضية لا تقف عند الجنكي وحسب بل إنما تلخص قضية طرابلس المعيشية والاجتماعية، المدينة التي عرفت بأنها مدينة الفقير يوم كاد الفقر أن ينعدم في مدينة منتجة على كل الأصعدة. وكان الفقير فيها يجد الملجأ والمأوى ولقمة العيش الكريم لأنها مدينة عرفت برفضها الذل واحترمت دائما الإنسان وكرامته.

الجنكي هو المنتحر الثاني بعد هيثم النيز الذي انتحر منذ أيام قليلة في منطقة التربيعة لعجزه عن طبابة ابنته المريضة ولأن المستشفيات لاترحم. ولأن خدمات المؤسسات مقفلة ولأن الأوضاع الاقتصادية منهارة.

وقصص المستشفيات في طرابلس لوحدها تحتاج الى مجلدات لتروي مآسي الاستشفاء والطبابة وفقراء يموتون على ابوابها لانعدام المادة والسيولة.

ثم يأتي من يسأل لماذا هب الطرابلسيون تلك الهبة الواحدة الكبيرة في مدينتهم وكانت طرابلس اكثر المناطق انتفاضة وحراكا قبل ان يأتي من يتسلق اوجاع الناس وقضاياهم وآمالهم في نيل حقوقهم وفي عودة الروح اليهم وعودة الإنماء لتعود طرابلس الى مجدها وسابق عهدها.

ترك انتحار الجنكي كما ترك انتحار النيز علامات استفهام كبيرة حول ما آلت اليه طرابلس من مخاطر معيشية واقتصادية وان الوضع لم يعد يحتمل الانتظار في غياب مؤسسات ضامنة ومؤسسات ترعى الفقراء والمرضى والمحتاجين. ولم تعد قضية الحرمان مسألة شعار وكلمات بل مسألة ينتحر فيها مواطن وهناك اكثر من مشروع انتحار محتمل لان الفقر بات في كل مكان بعد اتساع مساحة البطالة وغياب فرص العمل وجمود الحركة التجارية والاقتصادية في المدينة. حتى بات مشروع العاصمة الاقتصادية تناثر هباء في ظل العاصفة المعيشية والاقتصادية التي تضرب البلاد.