سحبت دار الفتوى «لقمة» الحكومة من «فم» المواطن، فبعد أن كنّا على مشارف الوصول الى حكومة تدعم ما تبقّى من دعائم للإقتصاد اللبناني قبل انهياره، خرج سمير الخطيب ليعلن انسحابه وتقديم واجب الشكر لمن سمح له دخول نادي المرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة، فتأجّلت الاستشارات وعادت المفاوضات، الأمر الذي يطرح التساؤل التالي: ما خلفيات إعلان دار الفتوى مبايعة الحريري دون غيره ممثلا للسنّة في الرئاسة الثالثة؟

بداية تؤكد مصادر دار الفتوى أن ما أعلنه الخطيب بعد زيارته مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان لم يكن رأيا شخصيا للدار بل حصيلة مشاورات وحوارات أقامها المفتي شخصيا مع ممثلي الطائفة، مشيرة الى أن «الإجماع» الذي حُكي عنه لا يعني أن أحدا لا يعارض، خصوصا وأن الطائفة السنية لا تمارس ديكتاتورية سياسية بل تسمح للجميع تقديم طروحاتهم وأفكارهم، مشددة على أن الأكثرية لا ترى إمكانية للإنقاذ الا عبر سعد الحريري لما للرجل من خبرة وقدرة وعلاقات دولية وعربية تجعله الوحيد القادر على تحمّل مسؤولية المرحلة المقبلة.

وتشدد المصادر على أن إعلان دار الفتوى لم يكن منسّقا مع الحريري الأمر الذي تراه مصادر قيادية في فريق 8 آذار غير منطقي، مشيرة الى أن ما حصل قبل 24 ساعة من موعد الاستشارات النيابية التي كان يُفترض أن تُعقد الإثنين الماضي، لا يمكن أن يكون صدفة، بل جاء نتيجة تخطيط كامل، هدفه شراء الوقت للحريري، وهو الذي امتهن هذه المسألة في الشهرين الأخيرين، فالرجل يريد الحكومة، وينتظر الإشارات الإيجابية من الولايات المتحدة الأميركية.

شكّلت الدعوة الفرنسية لاجتماع مجموعة الدعم الدولية، برئاسة فرنسا والأمم المتحدة، مفاجأة لسعد الحريري الذي ظنّ ان أحدا لن يقدّم يد المساعدة بالمرحلة الحالية، وبعد أن تمكّن من «ابتلاع» تداعيات هذه الدعوة، جاءته مفاجأة أكبر تمثّلت بخطاب القائم بأعمال السفارة الإماراتية لدى دمشق، عبد الحكيم النعيمي، الذي لم يترك كلمة «مديح» في معجم اللغة العربية الا واستحضرها لتمجيد حكم الرئيس السوري بشار الأسد، وبالعلاقات المتينة بين الجانبين، الأمر الذي وقف الحريري أمامه حائرا، فهو الذي عادى سوريا لأجل دول عربية، منها من عاد الى دمشق كالإمارات، ومنها من يقوم بأعمال الصيانة داخل سفارته في دمشق كالسعودية.

ترى المصادر القيادية في فريق 8 آذار أن هذه المفاجآت خلطت أوراق الحريري، فهو ينتظر منذ مدّة عودة الدول العربية الى سوريا لأجل العودة معها ومحاولة المشاركة في ملف إعادة الإعمار، وبالتالي فلن يكون مقبولا من قبله أن يسلّم رئاسة الحكومة الى شخصية كسمير الخطيب لأن الرجل يعمل في المقاولات، كالحريري، وعلاقاته مع الدول العربية وتحديدا الإمارات والسعودية وسوريا جيدة جدا، ما يعني أن وصوله الى رئاسة الحكومة قد يكون ضربة لطموح الحريري بالدخول الى ملف إعادة الإعمار.

بعد تبدّل المعطيات الإقليمية والدولية، وما أشرنا إليه هو جزء من معطيات أكبر، شعر الحريري أن عودته الى الحكومة لن تكون بعد 9 أشهر من حكومة انتقالية، بل بالحكومة المقبلة، لذلك كان لا بد من أمر ما يلغي مفاعيل جملته الشهيرة «لست أنا، بل أحد آخر»، ولعلّه لا يوجد أمام رئيس حكومة تصريف الأعمال أفضل من تلبية نداء «الطائفة السنية»، التي تطالب به رئيسا للحكومة، من أجل التراجع عن قراره الأخير. لذلك فنحن أمام مرحلة جديدة من التفاوض مع الحريري وما يمثل في الخارج، ولكن هذه المرحلة لا تبدو واضحة المعالم والنتائج بالوقت الراهن.