يفترض أن تسقط الضحية تلو الأخرى، لكي يصل كبير القوم الى البلاط: أنا أو لا أحد...!

ثم، على طريقة القرون الوسطى، يأتي ممثل الله على الأرض، ويضع العباءة على كتفيه: أنت سيد الطائفة. الآخرون... خوارج.

وليبق الناس، ما بقوا، على طريق الجلجلة. في النهاية اما الخشبة أو اللامكان. لا أحد يتوقع أن يتمكن «الثوار» من تفكيك تلك الحالة الأخطبوطية التي تمسك بكل مفاصل الدولة. بكل مفاصل الطائفة.

هذا الكلام لا يختص بفئة دون أخرى. ربما كان النظام عندنا الأكثر غرائبية في الدنيا. لا ديكتاتورية. ديكتاتوريات. لا توتاليتارية. توتاليتاريات. أليس ثمة من ديكتاتور واحد يختزل كل تلك الديكتاتوريات؟

رأس واحد على رأس الدولة، وان كانت مركبة، بكل تلك الأثقال الماورائية. لنأخذ البلقان مثالاً، وحيث تتقاطع الحضارات، وحيث تتقاطع الديانات، على حد السكين.

لا حدود للكراهية بين الكاثوليك والأرثوذكس. صادف أن جوزف بروز تيتو أرثوذكسي من كرواتيا الكاثوليكية. هكذا حدثت المعجزة، وقامت الدولة اليوغوسلافية، باضافة بعض اللمسات الايديولوجية (الشيوعية) عليها.

بحثاً عن رئيس جمهورية في لبنان، لا بصلاحيات فولكلورية وانما بصلاحيات ديكتاتورية. الأب ماروني. الأم سنية. الزوجة شيعية. الحماة درزية. هكذا تختزل الطوائف المحورية برجل واحد، والى الأبد...

حل بلقاني للبنان، ولكن ألم تتحول يوغوسلافيا الى شظايا طائفية، واتنية، بعدما زال الماريشال، وزالت معه تلك الايديولوجيا التي تتمحور حول التاريخ لا حول رغيف الخبز؟

لقد حدث ما حدث. الفرسان الثلاثة (رؤساء الحكومات) لم يلاحظوا أن هذا خرق للدستور، وخرق للأعراف، وخرق للأصول. الطائفة قالت ما داموا هم الذين قالوا. معلوماتنا أن الأصابع الخارجية قالت: سعد الحريري.

لماذا، اذاً، البقاء على تلك الضبابة، بما فيها ضبابية النصوص، التي تحكم البنية الفلسفية للدولة؟ دستور الطائف انتهى الى اقصى حالات الهلهلة. لا أحد الا ويضرب به عرض الحائط.

لبنان، بعد كل ما حصل، ويحصل، بحاجة الى صيغة اخرى للحكم تقوم على الشفافية. علناً، لا خفية، فديرالية الطوائف. الدولة المدنية حديث خرافة في هذه المنطقة.

متى كان اللبنانيون يحكمون لبنان؟ حتى المؤتمر التأسيسي يقتضي قراراً دولياً، وآليات دولية. العلاقات بين السنّة والشيعة تختزن الكثير من النيران. الكل ينبشون القبور، ويتقاتلون بعظام الموتى. القاذفات، الدبابات، الصواريخ، مجرد اكسسوارات في الحرب حول الله، وحول أنبياء الله، وحول ما قاله الله...

واثق الخطوة يمشي ملكاً. حال سعد الحريري الآن. الدولة تسقط، الشعب يسقط. لا مشكلة. المهم أن يطفو سادة الطوائف فوق الطوائف. لبنان بحاجة الى حكومة طوارئ. حتماً، هناك من يحاول توظيف الشارع لأغراض تفضي الى الخراب.

في هذه الحال، أي مهزلة أن يكون النزاع حول حكومة التكنوقراط والحكومة التكنوسياسية؟ تماماً، الجدل حول جنس الملائكة. ربما، هنا، الجدل حول جنس الأبالسة. كفى عبثية الذين فوق. كفى ثرثرة الذين تحت. هذا بلد الصراعات المجنونة والتسويات المجنونة!

نعلم، اذا ما عادت المياه الى مجاريها بين أميركا (والسعودية) وايران، وهو ليس بالمستحيل، لا بد أن يعاد ردم القبور. الرئيس رفيق الحريري وصل (ملكاً) الى السلطة حين كانت المنطقة تتجه الى التسوية بين العرب واسرائيل. اغتيل اسحق رابين، وسقط كل شيء.

الآن، الابن يصل (ملكاً) الى السراي في ظل كلام عن تسوية من نوع آخر تلوح في الأفق. هذا لا يحجب ما يتردد في المحافل الأوروبية من أن الأمور في الشرق الأوسط تمضي نحو البلقنة. بلقنة لبنان واقع لا لبس فيه...