افتعلت الولايات المتحدة الأميركية أزمة الدولار في لبنان ما أدّى الى انخفاض سعر صرف الليرة اللبنانية في السوق السوداء والى ازدياد غلاء المعيشة بطريقة هستيرية، وذلك بهدف توظيف ما يحصل في السياسة. فأميركا والدول الحليفة لها في المنطقة، أرادت أن تتشكّل الحكومة الجديدة «من دون حزب الله» لكي تكفّ يده داخل الحياة السياسية اللبنانية، وتتمكّن بالتالي تطويق سلاحه. غير أنّ الموقف الأميركي تبدّل، على ما تقول أوساط ديبلوماسية مطّلعة، سيما وأنّ حلفاءها الذين انخرطوا في «انتفاضة 17 تشرين»، قد فشلوا في حَرف الحَراك الشعبي الفعلي عن مطالبه المحقّة، وفي حصر هذه الأخيرة بمطلب أميركا وإسرائيل الوحيد المتمثّل بنزع سلاح حزب الله، لكي تتمكّنان بعد ذلك من تقاسم الثروة النفطية التابعة للبنان في المنطقة الإقتصادية الخالصة.

وأوضحت الاوساط، بأنّه مرّة جديدة ظهر فشل أميركا في عدم تمكّنها من نزع سلاح المقاومة.. ففي العام 2006 حاولت عن طريق استخدام «إسرائيل» للقوّة العسكرية الجويّة ضدّ الحزب ولبنان، ولم تُسجّل أي انتصار في تلك الحرب. وخلال السنوات الأخيرة قامت بتشديد العقوبات الإقتصادية على حزب الله بهدف تطويقه، ولم تنجح. كما حاولت أخيراً من خلال افتعال الأزمة الإقتصادية والمالية في لبنان وقد تكون نجحت في ذلك، رغم أنّ حزب الله قد أسمعها بأنّه لا «يُخزّن» أمواله في المصارف، لكي يُثنيها عن المضي في أزمة الدولار المفتعلة.

ولعلّ التراجع الأميركي الفعلي حصل بعد الخشية من نزول شارع مقابل شارع، على ما عقّبت الأوساط نفسها، رغم ضبط النفس الذي التزم به حزب الله طوال أيام الإنتفاضة الشعبية التي بدأت في 17 تشرين الأول المنصرم وتستمرّ حتى الساعة، فضلاً عن تطمينه بأنّه لن ينجرّ الى «7 أيّار» جديد. غير أنّ ما قام به بعض العناصر بطريقة فردية من خلال الهجوم على ساحة الشهداء وتحطيم خيم المعتصمين فيها، ومن ثمّ حرق شعار الثورة أي «اليدّ القابضة» (التي أعيد رفع أخرى جديدة في اليوم نفسه)، أعطى نموذجاً صغيراً عما يُمكن أن يحصل في الشارع في حال تشبّثت أميركا بموقفها، وما يُمكن أن تتكبّده من خسائر في الساحة اللبنانية على مختلف الصعد.

وتقول الاوساط، بأنّ أميركا تطمح للإستيلاء على الثروة النفطية في لبنان والمنطقة، على غرار ما فعلت في العراق وفي دول أخرى في العالم، غير أنّ وقوف حزب الله كقوّة عسكرية في وجه «إسرائيل» ضدّ أي اعتداء على سيادته، برّاً وبحراً، جعلها تطرح على لسان موفديها، اقتراح تقاسم النفط في المثلث البحري المتنازع عليه بين لبنان والعدو الإسرائيلي وفقاً لما يُعرف بـ«خط هوف». وحاولت بذلك جعله خلافاً جغرافياً بحت، في حين أنّه في الواقع خلاف جذري على الحدود والكيان وعلى الحفاظ على سيادة لبنان كاملة ولجم «إسرائيل» من السيطرة على أي نقطة من ثروته المائية والنفطية، ولا على أي شبر من أراضيه.

وفي رأي الاوساط،، إنّ أميركا اليوم تُعيد النظر بعد فشلها، كما حساباتها فيما يتعلّق بإمكانية دخول شركاتها في المناقصة الثانية المقبلة لتلزيم شركات عالمية نفطية، 6 بلوكات جديدة في المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة للبنان. علماً أنّ التحضيرات جارية اليوم على قدم وساق، على ما أكّدت الاوساط، لبدء التنقيب عن الغاز والنفط في البلوكين 4 و9 اللذين جرى تلزيمهما لكونسورتيوم الشركات الذي يضمّ «إيني» الإيطالية، و«توتال» الفرنسية، و«نوفاتيك» الروسية. ويهمّ أميركا معرفة كمية النفط والغاز الطبيعيين اللذين سيُستخرجان من المنطقة البحرية التابعة للبنان، ولمن سيتمّ بيع هذه الثروة النفطية مستقبلاً.

ولأنّ دخول لبنان نادي النفط خلال السنوات المقبلة، هو موضوع واعد وجيّد، تجد أميركا أنّه يصعب عليها تطويع السياسة اللبنانية، ولهذا فتحت الحرب الإقتصادية والمالية في محاولة جديدة للحصول على ما تريده. لكنها تراجعت خطوة الى الوراء، على ما عقّبت الأوساط، بعد أن وصلت الى طريق غير مفتوح كليّاً أمام طموحاتها وأحلام حليفتها، ما جعل الدعوة للإستشارات النيابية الملزمة تُحدّد يوم الإثنين المقبل بهدف إعادة تحريك الوضع السياسي المجمّد. وتنتظر أن يجري تكليف سمير الخطيب أو الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة الإنقاذية على أن تحصل على تعهّد ما في السياسة الداخلية والخارجية...