في الوقت الذي يدعو فيه الخبراء الاقتصاديون الى إجراءات استثنائية للوضعين الاقتصادي والمالي بأسرع وقت ممكن، والى خطة طوارئ للحدّ من الانهيار القائم في لبنان، يبدو المشهد مغايراً لدى المعنيّين والمسؤولين اللبنانيّين، وكأن لا شيء مستعجل والوضع في قمة النعيم، فيما يبدو الوضع مخيفاً على ارض الواقع والدلائل كثيرة، منها ما يشهده القطاع المصرفي، الامر الذي يقلق المودعين من خسارة اموالهم ، فضلاً عن مشاكل شبه يومية في قطاعات النفط والادوية ومستلزمات الطبابة في المستشفيات، والى ما هنالك من توترات امنية في بعض المناطق بين المحتجين والرافضين للانتفاضة الشعبية، الامر الذي يؤكد وجود مخاوف لم يشهدها لبنان منذ حقبة الاستقلال وذلك بشهادة الخبراء المعنيّين، كما ان التقارير الدولية التي تتوالى عن وضع لبنان الصعب على كل الاصعدة، خصوصاً الاقتصادي والمالي تشير يومياً الى ذلك، وابرزها ما صدر قبل ايام قليلة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الاوسط، عبر بيان حمل عنوان «إفلاس لبنان بات وشيكاً»، قدّمه أحد خبرائه حول الحالة اللبنانية أمام مجلس النواب الأميركي، بحيث اعتبر البيان «ان لبنان لن يكون قادراً على دفع رواتب الموظفين في القطاع العام»، كما توّقع «أن تدفع أي حكومة مدعومة من حزب الله البلاد الى العزلة في سيناريو شبيه بسيناريو فنزويلا».

تبع ذلك تقارير اوروبية مشابهة ومخاوف فرنسية نقلها المسؤولون الفرنسيون الى لبنان، وأخرها نصائح فرنسية دبلوماسية الى رئيس الجمهورية، بضرورة تشكيل حكومة اختصاصيّين على الفور برئاسة سعد الحريري، وإلا اللجوء الى حكومة عسكرية لان الوضع مقلق للغاية، خصوصاً بعد فقدان أي حل في ظل التناحرات السياسية القائمة على الحصص والحقائب.

وفي هذا السياق، يشير الجنرال المتقاعد جوني خلف في حديث لـ«الديار» الى ان الخبر لم يصدر عن قصر الاليزيه أي ليس رسمياً، لكن قرأناه نقلاً عن مسؤولين فرنسيّين، انما يمكن التأكيد بأن تشكيل حكومة عسكرية في هذه الظروف لا يفي بالمطلوب، لان هكذا نوع من الحكومات لا يستطيع التصرّف او القيام بما يجب، خصوصاً ان العسكريّين لا يملكون أي خبرة في الاقتصاد والمال، واليوم وضعنا في هذا الاطار على شفير الهاوية، والتعاطي مع المجتمع الدولي الخارجي يتطلّب تشكيل حكومة ممَن لديهم الخبرة للتعاطي مع هكذا ملفات، لذا استبعد كثيراً تشكيل حكومة عسكرية اذ ليس لدينا ظروفها، وحين يكون هنالك انقلاب او حرب او فراغ او أي حدث امني كبير في مكان معيّن، قد نلجأ الى هذا النوع من الحكومات، او الى اعلان حالة الطوارئ في البلاد، وحينها يتواجد الجيش بقوة على الارض وفي المرافق العامة التابعة للدولة، لكن في ظروفنا هذه لسنا سائرين في هذا الاتجاه، لاننا بأمّس الحاجة الى حكومة اختصاصيّين مصغّرة يُعنى اصحابها بالمال والاقتصاد، ولا تحوي سياسيّين، وفي حال ارادوا تطعيمها بعدد قليل منهم، فيجب الا يتوّلوا حقائب وزارية ولا يتعاطوا في الشأن العام او الاقتصاد والمال، مشدّداً على ضرورة ان تتحلى هذه الحكومة بموضع ثقة المجتمع الدولي، لاننا اليوم لا نستطيع تحريك أي قروض تجاه لبنان ألا حين تتواجد حكومة قانونية.

انطلاقاً من هنا ثمة اسئلة تطرح عن هذه الدعوة ومدى نجاح تطبيقها في لبنان، خصوصاً ان الحكومات العسكرية القليلة التي شهدها لبنان خلال عقود لم تصل الى مبتغاها. ومنها الحكومة العسكرية التي تشكلت إبان الحرب اللبنانية في العام 1975 بعد تصاعد أعمال العنف واستقالة حكومة الرئيس رشيد الصلح، اذ عمد رئيس الجمهورية انذاك سليمان فرنجية في 23 أيار 1975 وبعد محاولات فاشلة لتشكيل حكومة الى تشكيل حكومة عسكرية، لكنها لم تحدث الصدمة المطلوبة ورفضتها الاغلبية لذا أقدمت على الاستقالة في 26 أيار أي بعد 3 أيام على تشكيلها.

وعلى سبيل المثال ايضاً نشير الى الحكومة العسكرية التي تشكلت بعد انتهاء ولاية الرئيس امين الجميّل في ايلول من العام 1988 وفشل كل المحاولات لوصول رئيس للجمهورية، الامر الذي ادى الى تشكيل حكومة عسكرية سداسية برئاسة العماد ميشال عون، وكانت مناصفة بين 3 مسيحيين و3 مسلمين سارعوا الى الاستقالة فور اعلان اسمائهم، فيما ابقى الوزراء المسيحيون على توّلي مسؤولياتهم ضمن مجموعة حقائب وزارية لكل واحد منهم، لكن في 24 أيلول تكرّس الانقسام الحكومي، فكانت حكومة الرئيس سليم الحص في السراي وحكومة عون في قصر بعبدا، واستمر هذا الوضع قائماً مع ما رافقه من انقسامات طائفية ومذهبية وحروب تدميرية قضت على معالم البلد، حتى انتخاب الرئيس الياس الهراوي في 24 تشرين الثاني 1989 .