ألا يستشعر نجوم الجمهورية، سواء كانوا أنصاف آلهة أم أنصاف بشر، أن الكارثة تطرق على أبوابهم؟ لن يبقوا في مواقعهم، ولا في أمكنتهم، ولا حتى في ثيابهم...

ألا يستشعر نجوم الثورة، سواء كانوا الأشباح أم كانوا على شاكلة اميليو زاباتا أو ارنستو تشي غيفارا، أنهم باتوا في حلقة مفرغة؟ بعد أكثر من أربعين يوماً، لا ورقة، لا قصاصة ورق، تظهر مفهومهم للتغيير، نظرتهم للآليات الفلسفية، وللآليات العملانية، التي تفضي الى انقاذ لبنان من الاضمحلال.

للمرة الأولى في التاريخ، نشهد ثورة تتواطأ مع الطبقة السياسية للاطباق على أهلها، خنق أهلها. الأهل لا يتساقطون على أرصفة الدم، بل على أرصفة الخبز. وحين كان ناجي الفليطي يموت لأنه عجز عن تأدية دين بحفنة من الدولارات (هذا العرسالي النبيل ثورة بحد ذاته)، كانت الأطباق الفاخرة توزع على المتظاهرين. أجل، ثورة الياقات الفاخرة والأطباق الفاخرة!

هذه فرصة للبقاع الأوسط كي يتحول نحو شريعة الغاب. قطّاع الطرق يسطون على المنازل، وعلى السيارات، وعلى عابري السبيل. لا ندري أين هي القوى المعنية الا اذا كان هناك من يخطط للحظة التي يأكل فيها الناس بعضهم البعض. اللحظة آتية لا محالة...

الجوعى ليسوا هم زبانية الليل. العصابات خرجت من جحورها. الليل في المنطقة لكأنه ليل جهنم.

ماذا عن طرابلس؟ وحيث الصرخة العارية، الصرخة العالية، حين تكون هناك معلومات، وأمام أكثر من مرجع، بوجود جهات، أكانت تابعة لتلك الايديولوجيات الرثة أم كانت صنيعة أجهزة استخبارات خارجية، تعدّ لتفجير المدينة والى حد فصل الشمال عن بقية المناطق.

هذا ليس كلاماً في الهواء. الكثيرون من أهالي الفيحاء يلاحظــون كيف أن ظواهر غريبة تطل برأســـها بين حين وآخر، وتشي بأن شيئاً ما يعدّ في الخــفاء، ربما لتحقيق ما لم يكن بالامكان تحقيقه حين كانت الفصائل الهمجية تنتـشر على سفوح السلسلة الشرقية.

ثمة من يرى أن الطبقة السياسية ليست في ذروة ضعفها بل في ذروة قدرتها على المراوغة. هنا تبادل الأقنعة، وتبادل الأدوار. التظاهرات عى الأرض لم تعد أكثر من ظواهر فولكلورية، والا لكانت حددت من ينطق باسمها (غير مارسيل خليفة وأحمد قعبور)، والا كانت قالت للملأ هذا هو مشروعي. على الأقل، هذه هي رؤيتي للخروج من القاع.

كل ينتظر متى يتصدع الآخر، ومتى يتلاشى. الذين فوق والذين تحت فقدوا ديناميات الاستشعار بأن الأرض تميد تحت أقدام الجميع، وبأن هناك في الخارج من يراهن على سقوط الدولة في لبنان. تماماً كما حدث في سوريا. ولكن اذا وجد السوريون من يؤازرهم للحيلولة دون زوال الدولة، من هي الجهة الاقليمية، أو الدولية، الجاهزة لانقاذنا، وقد بتنا اما على تخوم الهاوية أو على تخوم الحرب الأهلية؟

منطقياً، فقدنا الأمل في أن تصل الثورة الى أي شيء. الخشية من تتحول الى «ثورة اللامعنى» (التعبير للفيلسوف الفرنسي أندريه مالرو)، ما دامت تائهة بين الشوارع وبين الشعارات.

كونسورتيوم الكارتلات، وحيث الشراكة الاستراتيجية بين تماثيل الشمع والأوثان، أثبت أنه بعيد كلياً عن المعايير الأخلاقية، والمعايير الفلسفية، وحتى المعايير السياسية، للدولة. لطالما تعامل بلااكتراث مع الأنين. الأدمغة (القلوب) الحجرية، المتحجرة، حين لا تدرك أن ثمة واقعاً على الأرض، ويفترض التفاعل معه بشكل أو بآخر.

حتى الآن، السياسات اللولبية اياها. صراع المقاعد وصراع الحقائب، في حين أن لبنان ماض، بخطى حثيثة، نحو الكارثة. احتفالياً، ماضون نحو الكارثة.

أيها السادة الذين فوق، لا يكفي أن تتلمسوا طرابيشكم. للحظة... تلمسوا رؤوسكم !!