وسط تفاقم الازمة السياسية على خلفية تشكيل الحكومة ومعها لجوء السلطة بكل اطرافها للضرب بعرض الحائط لمطالب الحراك الشعبي وانتفاضة اللبنانيين على الفقر والفساد والنهب والمحاصصة، من خلال تلطي كل فريق وجهة سياسية خلف اختلاقات وتنظيرات تخدم مصالحه السياسية والحزبية، لتخدير عقول مناوئيهم بوجود استهدافات لهم، وكل ذلك للهروب من مقتضيات كل ما هو ضروري ومطلوب لوقف نظام الفساد والمحاصصة والتقاسم الطائفي والمذهبي، يستمر على وقع كل هذه الاجواء التي تأخذ البلاد الى خيارات خطرة جداً، تكشف فضائح الفساد ونهب المال العام بعد ان أصبح هو القاعدة في التعاطي مع كل شأن من الشؤون العامة، وعلى مستوى كل مؤسسات الدولة ومرافقها، فشكلت الطبقة السياسية التي تعاقبت على الحكم والحكومة وكل قريب او له صلة بالمال العام، الغطاء الفعلي لكل هذه الموبقات التي ضربت لبنان وحياتهم ومصيرهم، والاخطر انها كشفت عن وجهها القبيح واستعدادها للمغامرة بمصير البلاد وابنائها، للحؤول دون ادخال اصلاحات جذرية على نظام المحاصصة وبهدف اقفال الباب على أي شكل من اشكال المحاسبة للذين أوصلوا البلاد الى الهاوية بما في ذلك اسقاط كل سعي لاستعادة المال المنهوب، وما جرى وضع «اليد عليه» من مرافق واملاك للدولة.

ويوما بعد يوم، تتوضح بعض من الاموال المنهوبة خارجيا وداخلياً، بدءا من المبالغ الخيالية التي جرى تهريبها من مئات السياسيين وحواشيهم والمحظيين بنعمة التغطية السياسية والطائفية، الى جانب هدر وتهرب ضريبي وصفقات وتحايل على القانون وسرقات مقوننة ومال سياسي يصل الى الاف مليارات الدولارات.

فصحيفة «واشنطن بوست» الاميركية كشفت وقبلها عشرات وسائل الاعلام في العالم اكدت ان الاموال المودعة في المصارف الاوروبية واقربائهم منذ العام 1982 ولغاية 2019 هي 800 مليار دولار، ووصفت مع غيرها من الصحف الكبرى ما حصل بأنه «اكبر جريمة ارتكبت ضد شعب في العالم»!

حتى ان صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلاً عن وزارة الخزانة الاميركية ذكرت ان المبالغ المودعة في الخارج لسياسيين واقربائهم وكبار التجار المحسوبين على السياسيين يمكن ان تضع لبنان واللبنانيين في مصاف الدول الاكثر «بحبوحة» في العالم في حال جرى استعادة مبالغ الـ800 مليار دولار فقط، بحيث يتم تسديد ديون لبنان البالغة 100 مليون دولار، وانفاق 200 مليار دولار على مشاريع التنمية (أنفاق - مترو - مطارات - قطار - بنى تحتية - معامل كهرباء - 100 مستشفى، شركات بترول، 80 جامعة... الخ) والتي يحتاجها لبنان، ويبقى 500 مليار دولار اذ يوضع احتياطي حوالى 200 مليار دولار ويبقى 300 مليار دولار، واذا وزعت على خمسة ملايين لبناني يستحصل كل فرد على 60 الف دولار.

اذاً، هذا ما سيحصده لبنان في استعادة مبلغ الـ800 مليار دولار التي أمكن احصاؤها، لكن، لو كانت الدولة ومرافقها وسياساتها واجراءاتها وقوانينها (ومئات الابواب للهدر والفساد والتهرب الضريبي والسيطرة على املاك الدولة) قادرة على وقف كل مزاريب الهدر والسرقات بعيداً عن نظام الفساد والمحاصصة وهو ما يعني ان هناك الاف مليارات الدولارات ضاعت على الخزينة او سرقت ونهبت، الى جانب مبلغ الـ800 مليار دولار المودعة لسياسيين في مصارف بالخارج.

ومن هنا يكشف خبير مالي- اقتصادي عتيق ان ما نهب من مال عام منذ العام 82 وبالاخص منذ العام 1992، هي مبالغ خيالية لا يمكن تحديدها، أو حتى وضع تقديرات لها، سوى من خلال عملية معقدة وتفصيلية طوال الفترة المذكورة لكل تفصيل من تفاصيل الشأن العام، وبالدرجة الاولى في الملفات والابواب التي تتداخل فيها قضايا الاستفادة المالية، من المال السياسي، الى طبيعة الاف القوانين المعنية بالمرافق العامة والتي في معظمها امكانات واسعة للتحايل على القانون، الى الاموال المهدورة في الموازنات وخارجها، الى الاملاك المسروقة للدولة، الى التهرب الضريبي (...) الى مئات القضايا المماثلة، بل والاف الالاف من قضايا والسمسرة والتحايل على القوانين ومخالفتها، وعدم الالتزام بها، وبالتالي فهذه المبالغ تتجاوز اذاك عشرات الاف مليارات الدولارات بحيث يتوقف الخبير المالي - الاقتصادي عند بعض الملفات التي أفضت الى هدر مبالغ ضخمة ومنها الاتي:

1- السيطرة على وسط بيروت من خلال صفقة جرى تمريرها بداية العام 1990، بيع عشرات ملايين الامتار المربعة بحجة إعمار وسط بيروت، وهي وحدها كان يمكن ان تضخ للخزينة مئات مليارات الدولار.

2- كل اشكال وانواع الصفقات، حيث لا يخلو مرفق عام من عشرات الصفقات المشبوهة التي تمكّن القيمون عليها من جمع ثروات خيالية، ومبلغ الـ800 مليار دولار التي جرى تهريبها للخارج، هي جزء بسيط منها، فأصحاب هذه الصفقات والذين امنوا لهم الأعطية السياسية والطائفية، عدا حساباتهم في مصارف لبنان، وما هو غير معروف في الخارج، لديهم ثروات ضخمة من املاك واستثمارات وشركات الى جانب ثروات الاقرباء والمحظيين والسماسرة، وحتى في حال عدم احتساب ما جرى انفاقه من مئات ملايين الدولارات للانفاق السياسي وللمناسبات الخاصة (اعراس وانفاق غير محدود للراحة والاستجمام، واقامة القصور وشراء السيارات ومعادن ثمينة الخ)...

3ـ الهدر بآلاف مليارات الدولارات منذ العام 1994 وحتى اليوم عبر كل انواع التهرب الضريبي والجمركي والتحايل على القوانين في كل شأن له علاقة بحقوق الدولة، ومنها مثلاً: ما ضاع من مئات مليارات الدولارات على الخزينة جراء المخالفات على انواعها وضع اليد على املاك الدولة (املاك بحرية وبرية من مشاعات واستملاكات للدولة)، وبالتالي، فاذا ما جرى احتساب كل ما صدر من اموال من العام 94 وحتى اليوم تتكشف مدى الفضائح في سرقة المال العام مثلاً، الاملاك البحرية او المؤجرة بأسعار رمزية او لشركتي الخليوي والمرافىء والمرافق المختلفة ستبين ان المبالغ تزيد عن الاف مليارات الدولارات.

4ـ على قاعدة «المال السائب يعلم الناس الحرام»، باتت كل مرافق ومرافىء الدولة مباحة امام كل من «استطاع»... اما جني ثروة ضخمة بكل انواع الرشى والسمسرة والتحايل على القانون على غرارما يحصل مثلا من جانب اصحاب التفرد في التصدير والاستيراد والمساعدات لكل اشكال وانواع الجمعيات والمدارس والهيئة العليا للاغاثة وعشرات المرافق الاخرى. وان ماحصل ويحصل من خلال التهرب الضريبي والجمركي مما هو متوجب من التجار والاثرياء وغيرهم في المرافق والمرافىء المختلفة فالدوائر العقارية والمالية وغير ذلك وتعداد ما يحصل من تهرب ضريبي وجمركي فقط دون احتساب المبالغ الضائعة على الخزينة تحتاج الى عملية حسابية على مستوى عال من الدقة من جانب الخبراء القانونيين واصحاب الاختصاص، عدا ما ضاع من اموال بسبب السياسات النقدية والمالية طوال اكثر من 30 سنة على الفوائد والايداعات والهندسات واجراءات اخرى بالمئات اضافة الى تراكم الرواتب الخيالية لمئات كبار الموظفين أو معاشات التقاعد الضخمة للنواب السابقين وغيرهم من الموظفين الكبار في معظم القطاعات حتى الامنية منها، عدا الفوضى في قطاعات الاستشفاء والضمان والادوية وتسعير السلع ومئات الامور المماثلة.

من كل ذلك يؤكد الخبير المالي والاقتصادي ان كل هذه التجاوزات والفضائح وثقافة الفساد أضاعت على الدولة الاف مليارات الدولارات وادت الى كل هذا الاهتراء والفوضى و«دهس» الدستور وبالتالي وصول البلاد الى الافلاس اللبناني الى حدود المجاعة وسقوط كل مقومات حياتهم.