الـقلق الأكبر يشمل مرحلـة ما بـعد تشكيل الـحُـكومة !!

ناجي س. البستاني

على الرغم من التأخير الفادح في تعامل المسؤولين اللبنانيّين مع التطوّرات الداخليّة التي نجمت من الإحتجاجات الشعبيّة التي كانت قد إنطلقت في 17 تشرين الأوّل الماضي، بشكل أسفر عن تدهور إقتصادي ومالي خطير في البلاد، فإنّ القلق حاليًا لا يشمل مسألة تشكيل الحُكومة فحسب، بل مرحلة ما بعد التشكيل أيضًا! فما هي آخر المَعلومات المُتوفّرة بشأن إتصالات التكليف والتشكيل، وما هي أسباب القلق من مرحلة ما بعد الإعلان عن الحُكومة الجديدة المَوعودة؟

بحسب مَعلومات مُتقاطعة من مصادر نيابيّة على إطلاع على مُجريات الإتصالات المَفتوحة لإعلان موعد الإستشارات المُلزمة، إنّ مروحة الأسماء التي جرى طرحها من باب المُداولات لتحديد إسم الشخصيّة التي يُمكن أن تخلف رئيس الحكومة المُستقيل سعد الحريري، والذي أعلن أخيرًا عُزوفه عن تولّي المسؤوليّة مُجدّدًا، دارت دورات عدّة خلال الأيّام والأسابيع القليلة المقبلة، وهي شملت أسماء سياسيّة على غرار رئيس الحكومة السابق تمام سلام، والوزيرين السابقين محمد الصفدي وبهيج طبّاره، والنائب سمير الجسر، وأسماء ديبلوماسية على غرار السفيرين نواف سلام رامز دمشقيّه، وأسماء سياسيّة - إقتصاديّة على غرار الوزير السابق عدنان القصّار والنائب فؤاد مَخزومي، وأسماء أكاديميّة على غرار السيدين إبراهيم منيمنة وجواد عدرا، وأسماء رجال أعمال على غرار وليد علم الدين، وسمير الخطيب.

ولفتت هذه المصادر نفسها إلى أنّ «الفيتوات» المُتبادلة، بين رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري من جهة، وباقي الأفرقاء المَعنيّين بإتصالات التكليف من جهة أخرى، أي رئيس الجمهوريّة مُرورًا برئيس «التيّار الوطني الحُرّ» الوزير جبران باسيل، و«الثنائي الشيعي»، أسقطت هذه الأسماء، إنطلاقًا من إعتبارات مُختلفة، بعضها سياسي، وبعضها شخصي! وكشفت أنّه بعد غربلة الكثير من الأسماء، وبعد سلسلة من الأخذ والردّ، جرى أخيرًا إستبعاد الأسماء السياسيّة، لصالح تقديم الأسماء ذات الخلفيّة الإقتصاديّة والمالية، بهدف السعي لإرضاء الشارع اللبناني الغاضب والناقم على الطبقة السياسيّة عُمومًا، وكذلك بهدف مُحاولة إحداث صدمة إيجابيّة تحدّ من المخاطر الإقتصاديّة والمالية المُحدقة. وشدّدت المصادر على أنّ الإسم الذي سيتولّي رئاسة الحُكومة المُقبلة، لن يكون من خلفيّة سياسيّة، بل من خلفيّة إقتصاديّة وماليّة ـ ما لم يطرأ تغيير في الرأي في اللحظة الأخيرة. وأشارت إلى أنّه من هذا المُنطلق، إرتفعت أسهم السيّد الخطيب الذي لقي دعمًا من أكثر من طرف، ومنهم رئيس «التيّار الوطني الحُرّ»، قبل أن تتراجع مُجدّدًا هذه الأسهم خلال الساعات الماضية، في إنتظار معرفة موقف رئيس «تيّار المُستقبل» الذي سيُحدّد الوجهة التي ستأخذها الأمور، بالنسبة إلى أيّ إسم سيُطرح لتشكيل الحُكومة.

وأضافت المصادر النيابيّة المُطلعة على مُشاورات التكليف، أنّ سبب إرجاء موعد الإستشارات الذي كان مُقرّرًا اليوم الخميس، وتأخيره قليلاً إلى مطلع الأسبوع المُقبل ـ على الأرجح، يعود إلى الرغبة بتأمين حُصول الشخصيّة التي سيتمّ تكليفها تشكيل الحُكومة المُقبلة، على أكبر عدد من الأصوات النيابيّة، وليس إلى البحث في تفاصيل التركيبة الحُكوميّة- كما ذكرت بعض الأوساط. وشدّدت على أنّ هذا لا يعني أنّ التشكيل سيكون نزهة، على الرغم من رغبة رئيس الجمهوريّة، والفريق الذي يُمثّله، بتسريع وتيرة التشكيل. وتوقّعت أن تطول عمليّة التشكيل، لأن على هذه التشكيلة الحكوميّة، تجاوز الكثير من الألغام والعراقيل الداخليّة والخارجيّة، والأهم أن تُوحي بالثقة للناس، بشكل يكفل بإطلاق ورشة الإنقاذ.

من جهة أخرى، تخوّفت المصادر نفسها من مرحلة ما بعد تشكيل الحُكومة، لجهة الموقف الذي ستعتمده القوى السياسيّة التي ستُصبح خارج الحُكم، والموقف الذي سيصدر عن القوى الشعبيّة المُشاركة في «الثورة». وتساءلت عمّا إذا كان كلّ من حزبي «القوات اللبنانيّة» و«التقدّمي الإشتراكي» سيتمسّكان بموقفهما الرافض للمُشاركة في الحُكومة المُقبلة، أم سيتراجعان عنه، وما إذا كان «تيّار المُستقبل» سيمنح رئيس الحكومة المُقبلة والشخصيّات السنيّة فيها، الغطاء السياسي المَطلوب، أمّ أنه سيذهب بعيدًا في مُعارضته، بعد تراكم خلافاته مع «التيّار الوطني الحُرّ» ورئيسه، ومع رئيس الجمهوريّة أيضًا، لأسباب تشمل التعدّي على صلاحيّاته في عملية تشكيل الحُكومة، وتصل إلى مسألة دفعه دفعًا للتراجع عن تفاهمات تقاسم السلطة السابقة.

وأوضحت المصادر أنّ رئيس الحكومة المُستقيل يعتبر أنّ تأخير الإستشارات المُلزمة منذ أكثر من شهر هو خطوة غير دُستوريّة، إعتمدها رئيس الجمهوريّة لتحديد الخُطوط العريضة للحكومة المُقبلة، وإسم رئيسها، بالتعاون والتنسيق مع «الثنائي الشيعي»، في تعدّ على صلاحيّات رئيس الحكومة المَنصوص عليها في «إتفاق الطائف»، حيث أنّ البند الثاني من المادة 64 من الدُستور، تنصّ على أنّ رئيس الحُكومة المُكلّف، «يُجري الإستشارات النيابيّة لتشكيل الحُكومة ويوقّع مع رئيس الجمهوريّة مرسوم تشكيلها»، علمًا أنّ البند الرابع من المادة 54 الخاصة بصلاحيّات رئيس الجمهورية، تنصّ على أنّه «يُصدر بالإتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة (...)» فقط لا غير. وبالنسبة إلى «الحراك»، تساءلت المصادر ما إذا كان الناس سيخلون الشوارع وسيُعطون الحُكومة المُقبلة فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم أنّهم سيتبنّون موقفًا سلبيًا في حال لم تأت التشكيلة الحُكومية على قدر الطموحات.

وختمت المصادر النيابية كلامها بالتشديد على أنّ وتيرة الإتصالات السياسيّة في الأيّام القليلة المُقبلة ستتكثّف، بعكس ما حصل خلال الأربعين يومًا الماضية، حيث أنّ الساعات المُقبلة ستحمل أكثر من تطوّر، وأكثر من موقف، بشكل يُمكن أن يجيب عن كثير من التساؤلات، وأن يُعطي بالتالي فكرة عن الإتجاه الذي ستسلكه الأمور في لبنان.