أكثر فأكثر نقترب من جدار الدم. متى ينفجر... جدار الدم؟

الطبقة السياسية في حال الصدمة. ظنت أن الرعايا باقون، الى الأبد، في الثلاجة، أو في الزنزانة، أو حتى في المقبرة. الجماهير الهائجة أقرب ما تكون الى الرياح الهوجاء. قد لا تهدأ قبل أن يتحول كل شيء الى هباء.

حتى العرب الذين كانوا يهبّون لنجدتنا، ديبلوماسياً أو مالياً، في الغيبوبة. صراعات عبثية. لكأنها العودة الى زمن الغساسنة والمناذرة. لكأنها العودة الى زمن داحس والغبراء. ربما... لكأنها العودة الى زمن قايين وهابيل. لطالما رددنا أن حجر قايين ظل يتدحرج عبر الأزمنة الى أن استقر في عقر دارنا.

ماذا يعني قطع الرينغ سوى القول هنا الحد الفاصل بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية (لمن يتلذذ بذكريات الحرب الأهلية). بوضوح أكثر، هنا الحد الفاصل بين بيروت المسيحية وبيروت المسلمة.

وماذا يعني حاجز جل الديب سوى قطع الطريق على سنّة الشمال؟ وماذا يعني حاجز الناعمة سوى قطع الطريق على شيعة الجنوب؟ وماذا يعني حاجز ضهر البيدر سوى تقطيع أوصال البلد، وقطع أنفاس البلد؟

تلك الطبقة السياسية سقطت بكل المعايير، والا كيف للجمهورية أن تصل، بالكعب العالي، الى الهاوية؟

الأشد هولاً من كل ذلك أن مهمتها الفلسفية، بعد وثيقة الطائف، كانت عقد «ميثاق النسيان» «Pacto del olvido»، مثلما حدث عقب الحرب الأهلية في اسبانيا. تالياً، اعادة بناء الأجيال على مفاهيم، وعلى قيم، وعلى قواعد، بعيدة عن اللوثة الطائفية.

ما حدث كان العكس تماماً، الانتقال من الطائفية الى المذهبية. استشراء ثقافة الكراهية، وثقافة الفساد، وثقافة الرق. النتيجة، اقفال كل الطرق التي تفضي الى الدولة المدنية.

كيف لرئيس جمهورية يأتي بالتسوية (وما أدراك ما التسوية!) أن يمسك بالصولجان ويعد بالاصلاح والتغيير؟ كيف لرئيس حكومة يأتي بالتسوية أن يكون المايسترو، ويقود تلك الأوركسترا الأشبه ما تكون باللوياجيرغا الأفغانية؟ وكيف لمجلس نيابي يأتي بالصوت التفضيلي ألا يكون مقبرة للديمقراطية، وللحداثة، وحتى للدولة؟

الرعاة والرعايا في التيه. الرئيس سعد الحريري كواحد من طرابيش الطبقة اياها، يريد أن يختزل الطبقة بقضها وقضيضها. هو من يختار اعضاء حكومة التكنوقراط. الاخرون يرفضون. حكومة محاصصة. لا بأس من اشراك أهل الحراك كأسسوارات للزينة ما دامت الأيدي الخشنة في مكان آخر.

متى كانت التسوية صناعة محلية؟ ومتى كان رئيس الجمهورية، وحتى رئيس الحكومة والحكومة صناعة محلية؟ المشكلة أن الفوضى تكتنف المعادلات الدولية والأقليمية على السواء. دونالد ترامب بعثر كل حجارة الشطرنج. أحد معلقي «الفايننشال تايمز» اقترح علينا الاتيان بحكومة من الصين.

رأى ألاّ أحد ينقذ لبنان من الأزمة الاقتصادية، والمالية، سوى الصين. الأميركيون لا يقدمون سوى الفتات. يفضلون الدول التي تتسول على أبوابهم.

هذه ليست بالمزحة الأنكليزية. قديماً، كانوا يعرفون الكوليرا بـ«الهواء الأصفر». لا حل الا بالكوليرا الصينية (الهوى الأصفر) الآتية من بلاد كونفوشيوس. لا مسيحي ولا مسلم. لا سني ولا شيعي.

نحن مجتمع بائس. نهلل اذا انتصرنا في نقابة المعالجين الفيزيائيين، في حين أن البلاد في الضائقة الكبرى، في المصيبة الكبرى. هل نحن شعب يليق بالحياة وتليق به الحياة؟

بقدر ما يبدو المشهد رائعاً بقدر ما يبدو كاريكاتورياً. أصحاب المليارات على الأرض من أجل رغيف الخبز. كبير الـ«Dynasty» يلوّح بالعلم اللبناني، ويصرخ من أجل الديمقراطية.

من فضلكم، اسدلوا الستار على هذه الكوميديا. ابحثوا عن تسوية، ولو كانت تسوية بابا نويل، تهبط من المدخنة!