أين حزب الله من الصرخة التي غصت بها الشوارع، وغصت بها الصدور، وهل يكفي القول «نحن مع مطالبكم المحقة»، دون النزول الى الأرض، وزلزلة الأرض، تحت أٌقدام من حولوا لبنان الى نسخة عن الجحيم؟

كثيرون من «البيئة الحاضنة» تساءلوا «كيف يمكن للذين دحروا برابرة الخارج، الآتين من قاع القرن أو من قاع القرون الغابرة، أن يكونوا شركاء لبرابرة الداخل؟». هؤلاء الكثيرون كانوا، وما زالوا، على قناعتهم بأن شرعية المقاومة لا تستمد من متحف الشمع هنا، ولا من متحف الشمع هناك. المقاومة تستمد شرعيتها من الأرض، ومن الناس، ومن التاريخ.

هذه مقاومة يفترض أن تبقى ما دام الدوي الاسبارطي يحكم ائتلاف الحاخامات والجنرالات في اسرائيل. لاحظوا ما يحدث في الضفة والقطاع، وما حدث لنا، لندرك أي نوع من الهمجية يجثم وراء الخط الأزرق. أليست صواريخ المقاومة من أحلت الخط الأحمر محل الخط الأزرق؟ السؤال لم يعد متى يدخل «الاسرائيليون» الى الجنوب، وانما متى يدخل اللبنانيون الى الجليل؟

الكثيرون تساءلوا عن سبب الاقتفاء بالآخرين، والاحتفاظ بالوجوه اياها، أو بأكثرها، في المجلس النيابي، او في مجلس الوزراء، كما لو أن الله خلقهم وكسر القالب؟ انظروا الى وجه السيد حسن نصرالله، ولسوف تلاحظون مدى الشفافية الأخلاقية في شخصيته. الرجل الذي قالت فيه جنيفر روبن «يخيل اليّ أنه دمر الهيكل الثالث بعدما دمر نبوخذنصر الهيكل الأول، ودمر تيتوس الروماني الهيكل الثاني»، لا يعرف كيف يزعج أحداً من رفاق الطريق، كيف له أن يقصيه عن الموقع؟

ياسيد، وقد غيرت ذلك الواقع الأسود الذي عمره مائة عام، لبنان بحاجة الى تغيير الرؤوس ولو كانت رؤوس الملائكة...

الكثيرون ما زالوا عند سؤالهم، لماذا يفترض أن يكون النواب، والوزراء، من المنظومة الحزبية، وهي البعيدة عن المفهوم الكلاسيكي لأي تنظيم سياسي؟ انه التنظيم الثوري الذي مهمته استقطاب الجميع لا البقاء داخل الحالة. في البيئة الحاضنة ادمغة مميزة، ولا مجال لأن تبقى في المستودعات.

أين الحزب من الصرخة؟ وجدانياً معها. ولكن هل يمكن أن يطرح مثل هذا السؤال التقليدي حين يكون الحزب في ذلك الوضع؟ الأمبراطورية الأميركية، بتلك الأرمادا السياسية، والعسكرية، والمالية، والاستخباراتية، تتعقبه، وتعاقبه. المؤسسة اليهودية، بأذرعها الأخطبوطية، تحاصره من كل حدب وصوب. العرب الذين كادوا، بصفقة القرن، أن يسلّموا مفاتيح غرف نومهم الى بنيامين نتنياهو يحثون حلفاء الداخل على الالتفاف عليه حتى باحزمة الدم.

لا يمكن لحزب قاتل برابرة الخارج أن يكون شريكاً لبرابرة الداخل. لا مجال لاجتثاث الفساد الا باجتثاث الفاسدين في الطاقم السياسي. لم يعد مقبولاً القول «هذا هو لبنان». هذا اللبنان ينبغي أن يتغير...

قبل اندلاع الاحتجاجات، كان لافتاً ارتفاع لهجة جهات عرف عنها الرقص حول أكوام الحطب ضد حزب الله. طالبت حتى باقفال المعابر الشرعية مع سوريا. في بعض التظاهرات، ظهرت أصوات تدعو الى «اقتلاع الدويلة من الدولة»، كما لو أن في لبنان يوجد ذلك الشيء الذي يدعى «الدولة»، لا المغارة. لا الأدغال...

هذه هي اللحظة التاريخية ليقول الحزب الذي قوته في الأرض لا في البرج العالي «شكّلوا أي حكومة تريدون، وسنرصد حتى دبيب شفاهكم. وسننزل الى الشارع، وتعلمون ما يعنيه نزولنا الى الشارع». من هنا يبدأ... الانقاذ...!!