عاد التحرك الديبلوماسي من بوابة فرنسا الى لبنان الامر بوصول رئيس دائرة الشرق الاوسط وشمال افريقيا في الخارجية الفرنسية كريستوف فارنو الى لبنان لمعرفة الوقائع الحاصلة على الارض كما تريد فرنسا معرفة امكانياتها في احداث خرق في هذا الجمود السياسي اللبناني وبدء مفاوضات تلين الشروط للاسراع بتشكيل حكومة عبر اعطاء تطمينات لفريق معين للوصول الى نتيجة. هذا ولا يزال مؤتمر سيدر في المقدمة بالنسبة للدولة وللمواطنين ذلك ان الاوضاع الاقتصادية المتردية ترتب على لبنان التجاوب مع فرنسا طبعا ضمن معايير تحفظ كرامة لبنان. وفي هذا الشأن لا يزال الفرنسيون يربطون اعطاء المساعدات بتنفيذ اصلاحات ضرورية.

ولكن هل يذهب النشاط الديبلوماسي الفرنسي الى جانب الدعم الروسي لتشكيل حكومة لبنانية في وقت سريع، هباء امام الضغط الاميركي الهائل في زيادة العراقيل وفي حشر طرف سياسي له قاعدة شعبية واسعة في الزاوية وفي خض الساحة الاقتصادية والمالية؟

في غضون ذلك، يظهر ان التصعيد سيكون سيد الموقف في الايام المقبلة في صفوف المتظاهرين في الساحات للضغط على السلطة السياسية التي تناور وتتحايل على الشعب بعدم اسراعها في تشكيل حكومة من اختصاصيين مستقلين لا صبغة حزبية لهم.

هذا من ناحية الشعب وانعدام ثقته بالطبقة السياسية الحاكمة اما من ناحية المشاورات بين اصحاب السلطة انفسهم، تقول المعلومات ان المشاورات تكثفت في الآونة الاخيرة وعدد كبير من العقبات تم تذليلها خاصة ان اوساطاً سياسية كشفت للديار ان الوزير جبران باسيل فتح خطا للتفاوض غير مباشرة بين حزب الله وتيار المستقبل.

وتقول هذه الاوساط ان المشاورات بين القوى السياسية بلغت مرحلة متقدمة بعد ان فتح رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل خطا غير مباشر بين حزب الله وتيار المستقبل للتفاوض وتقليص الهوة بين الفريقين وبين طروحاتهما حول نوعية الحكومة. والحال انه بات معلوما ان الوزير باسيل طرح على الحريري تشكيل حكومة تكنوقراط تسميها القوى السياسية غير ان الثنائي الشيعي رفض حكومة تكنوقراط وتوصلت المفاوضات الغير مباشرة الى حل وسطي يتمثل بحكومة تأخذ بشرعية التمثيل النيابي من جهة ومطالب ثورة 17 تشرين الاول من جهة اخرى.

وتعقيبا على ذلك، لا يزال يوجد بعض العقبات التي تمنع تشكيل الحكومة سريعا اولها ان الرئيس سعد الحريري يناور في طرح اسماء من جانبه على غرار نواف سلام سفير لبنان السابق في الامم المتحدة او في طرحه للنائب بهية الحريري لترأس حكومة حيادية دون ان يعطي جوابا واضحا حول تعريفه لحكومة تكنوقراط او حيادية للاطراف السياسية الاخرى وكل ذلك يصب في تحسين شروطه في التفاوض. في الوقت ذاته، لم يقفل الحريري الباب امام المشاورات والنقاش مع القوى السياسية بينما حددت القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي في بيانهما دعمهما لحكومة حيادية وهنا يعتبر البعض ان هذا الطرح غير قابل للتنفيذ وغير واقعي خاصة في نظام برلماني ديموقراطي وهي بمعنى اخر شعارات لاطالة الازمة بقدر المستطاع حسب ما تمليه عليهم اوساط دولية.

من جهة اخرى، يرفض الثنائي الشيعي حكومة حيادية بل حكومة تكنو- سياسية ذلك ان هذه القوى السياسية تعتبر ان الحكومة الحيادية هي فكرة وبداية لخطة انقلابية ـ اميركية تستهدف المكونات السياسية والاجتماعية في لبنان واولها حزب الله. ولذلك ترى مصادر وزارية ان طرح حكومة حيادية للمرحلة المقبلة هي بمثابة حصان طروادة لخرق لبنان من الداخل والعمل على اضعاف فريق محدد.

وفي النطاق ذاته، لا يزال الرئيس نبيه بري يصر على تكليف سعد الحريري تشكيل الحكومة المقبلة خاصة ان اسم الحريري يبقى الاوفر حظا مهما صدر من معلومات تنفي ذلك اضافة الى ان هناك توجهاً دولياً لتكليف الحريري تمثل بتصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وبموقف فرنسي داعم ايضا للحريري.

اما السؤال الذي يطرح نفسه: هل سيشارك الحريري في حكومة تكنو- سياسية اذا لم تنضم القوات والتقدمي الاشتراكي الى الحكومة؟ هل سيدخل وحيدا دون حلفائه الذي يجمعهم قواسم مشتركة على الصعيد الاستراتيجي؟ واذا اعتذر الحريري بتاليف الحكومة المقبلة فهل يكون قد اسقط ورقة التوت عن الدولة اللبنانية امام قوى حاقدة متربصة بمصير لبنان تريد اغراقه بالفوضى؟ فهل يمكن اعتبار رفض الحريري عودته لرئاسة الحكومة وضع لبنان برمته بمواجهة شرسة امام واشنطن قد لا يستطيع ان يخرج لبنان سالما؟

كل الامور لا تزال مبهمة الا امرا واحدا يتسم بالوضوح وهو ان التأزم الاقتصادي والمالي الذي يرزح تحت وطأتها لبنان يزداد والقلق والخوف عند المواطنين يرتفع منسوبه فاذا لم يظهر السياسيين اليوم قدرتهم على احتقان الشارع ومنع لبنان من الانهيار فذلك لن يحصل ابدا لا في المدى القريب ولا البعيد؟

القوات: حكومة التكنوقراط هي التي ستنقذ لبنان

وقال رئيس جهاز الاعلام في القوات اللبنانية شارل جبور ان القوات حسمت موقفها بانها لن تشارك بحكومة تكنو-سياسية وهي كانت سباقة في دعم تشكيل حكومة تكنوقراط منذ 2 ايلول على طاولة حوار بعبدا. واضاف: «ندعم حكومة من اختصاصيين مستقلين غير مرتبطين باحزاب والقوى السياسية من اجل ان يتمكنوا ان يضعوا برنامج عمل لانقاذ الوضع الاقتصادي والمالي الصعب». وطالب جبور جميع القوى السياسية ان تستريح لفترة انتقالية الى جانب ضرورة تجميد كل الملفات الخلافية من اجل انقاذ الوضع الاقتصادي الذي هو اولوية الان فماذا ينفع السجالات السياسية اليومية اذا سقط لبنان؟

وشددت القوات على تقديم صدمة ايجابية عبر اختصاصيين قادرين على اجتراح الحلول المناسبة للازمة التي يمر بها لبنان وقادرة على مواجهة التحديات وبذلك تكون حكومة تكنوقراط قد ارضت الشارع ونفذت مطالب الناس وحافظت على لبنان على الصعيد المؤسساتي والاقتصادي والمالي.

ودعا الى الاتفاق على نوعية الحكومة فالخلاف القائم اليوم هو اي حكومة سنشكل؟ وسعد الحريري يواجه ضغوطات في هذا المجال فشرطه ان يتولى حكومة تكنوقراط في حين رفضت قوى سياسية ذلك الا ان الوضع الاقتصادي الرديء يتطلب اختصاصيين يتمتعون بالمقدرة والمعرفة لايجاد الدواء المناسب لهذه الازمة المستعصية.

واوضح جبور حول تسمية رئيس الحكومة المكلف ان كتلة القوات النيابية سيكون موقفها مرتكزا على التزامه بحكومة تكنوقراط من اختصاصيين مستقلين اما عدم الالتزام بحكومة اختصاصيين عندها القوات لن تسمي في هذه الحال.

التقدمي الاشتراكي: لم يتشاور احد معنا بمسألة تأليف وتشكيل الحكومة

قال المحامي والقيادي في الحزب التقدمي الاشتراكي نشأت حسنية ان حزبه مع حكومة تكنوقراط من حيث المبدأ ونسمع بالمشاورات الغير علنية لتشكيل الحكومة انما لم يتم الاتصال معنا مباشرة لمعرفة ما هو مطلوب في هذا المجال. وقال حسنية: «برأينا، حكومة تكنوقراط هي حل عادل انما في الوقت ذاته القوى السياسية عليها ان تسمي اشخاصاً اختصاصيين موثوق بهم قادرين على تقديم خطة عملية للخروج من الازمة الاقتصادية الراهنة». ورأى ان تسمية الاحزاب السياسية اختصاصيين لتولي حقائب وزارية سيحدث صدمة ايجابية ويظهر ان السلطة استمعت لمطالب الناس التي نزلت الى الشارع وتظاهرت واحتجت على الوضع الراهن.

وحول الاسماء التي يمكن ان يسميها الحزب التقدمي الاشتراكي، قال حسنية ان الاشتراكي يسمي سعد الحريري في المبدأ ولكن في ضوء المستجدات نختار ان ننتظر ماذا سيحصل وان كان الحريري سيقدم على القبول باعادة التكليف او يميل الى الاعتذار. ولكن بكل صراحة لم نناقش حتى هذا اليوم من سنسمي بالنسبة للكتلة النيابية للتقدمي الاشتراكي مشيرا الى «اننا منفتحون على كل الخيارات التي تخدم مصلحة البلد». ولفت القيادي في الحزب التقدمي الاشتراكي ان الوزير السابق وليد جنلاط قال يوما وبطريقة علنية: الى اين نحن متوجهين؟ فعداد الدين العام يشتغل ويرتفع والمالية العامة تستنزفها مشكلة الكهرباء وكان حاضرا الوزير سيزار ابي خليل وخلال الاجتماع توصلنا الى تأمين موارد للخزينة ومعالجة لوقف الهدر في القطاع الكهربائي . ولاحقا رفع الوزير مروان حمادة هذا الطرح الى مجلس الوزراء ليتم البحث والتداول به الا ان الموضوع لم يلق اهتماما في مجلس الوزراء». وايضا، كشف ان الحزب التقدمي الاشتراكي طالب وشدد على اهمية تشكيل هيئة ناظمة لمؤسسة كهرباء لبنان ولكن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل رفض هذا الاصلاح لان ذلك يعطل دور الوزير وفقا لباسيل.