محمد بلوط

يدرك المطالبون بحكومة «تكنوقراط حيادية» ان مثل هذه الحكومة «ممنوعة من الصرف» في لبنان وفي كل بلدان العالم ايضاً، لأن صفة الحيادية تكاد تكون معدومة او هي بحد ذاتها تمثل فئة اتخذت موقعاً سياسياً مميزاً في المجتمع.

ومنذ اللحظة الاولى لرفع هذا الشعار بدا ان السعي لتشكيل حكومة جديدة بعد استقالة الرئيس الحريري مهمة صعبة ومعقدة، عدا أنها عملية تخضع لحسابات تعكس التوازنات السياسية والشعبية والطائفية كما هو الحال في تشكيل الحكومات في الظروف العادية فكيف في مثل هذه الازمة التي تكاد تطيح البلد.

وبرأي مرجع سياسي أن فكرة «الحيادية» كما يطرحها البعض هي فكرة انقلابية على الديموقراطية ونظامنا البرلماني الديموقراطي، كما انها تتعارض مع التمثيل الشعبي في كل الانظمة.

وبعيداً عن التنظير والتعمق في خلفية واسباب طرح هذا الشعار فان ما يلفت المرجع هو حماس اطراف سياسية لتسويقه، مع العلم انها كانت وما زالت جزءاً من السلطة الحاكمة.

اما صفة التكنوقراط فهي صفة يمكن ان تنطبق على الحزبي او المنتمي الى تيار سياسي كما على ما يسمون انفسهم مستقلين، لذلك فان صيغة حكومة «التكنوقراط الحيادية» هي مجرد شعار يراد منه إطالة الازمة واستثمار الحراك الشعبي الذي تحول تدريجيا الى «حراكات» نتيجة إختراق قوى واطراف سياسية مؤثرة لساحاته وبرنامجه واهدافه.

ووفقاً لقراءة المواقف والوقائع التي سجلت منذ ما يقارب الشهر وحتى اليوم فان هناك ضغوطات داخلية وخارجية اخذت تتظهّر اكثر فاكثر لتحويل هذا الحراك الشعبي الى اداة انقلابية على كل شيء، غير ان هذا لا يعفي اطراف السلطة من مسؤوليتها في المبادرة الى معالجة جذرية تبدأ بتشكيل حكومة تأخذ بعين الاعتبار الواقع الراهن وما استجد منذ 17 تشرين الاول وحتى الآن.

وحسب مجريات المفاوضات الشائكة والصعبة التي سجلت بشأن الحكومة فان الرئىس الحريري لم يطالب بحكومة حيادية كما يطالب جنبلاط وجعجع، بل ركز على حكومة متجانسة من رجال اختصاص ولم يضع «فيتو» على تسمية الاطراف والكتل السياسية لقسم منها.

وتقول المعلومات ان حكومة «التكنوسياسية» هي الصيغة التي يمكن ان تشكل الحل، باعتبارها قادرة على تمثيل اشخاص غير منتمين للاحزاب ويمثلون الحراك الشعبي الى جانب آخرين «غير نافذين» تسميهم القوى او الكتل النيابية.

وتضيف بأن الباب بقي مفتوحاً طوال المفاوضات في تحقيق او التوافق على تفاصيل هذه الصيغة، وان الحريري لم يقفل الباب امام هذا البحث لكنه في الوقت نفسه لم يعط جوابا صريحاً على مثل هذا الطرح.

ووفقاً للمعلومات فان الحديث في الثماني والاربعين ساعة عن نوع من الحلحلة لتنضيج اطار توافق يسهل عملية التسريع بتكليف الحريري جعل المتضررين من هذا الحل اي حكومة «التكنوسياسية» يصعّدون في كل الاتجاهات فكان افتعال الضجّة حول اقتراح قانون العفو ومسألة دستورية الجلسة التشريعية للمجلس النيابي التي كانت مقررة امس وارجأها الرئيس بري اسبوعا بسبب الوضع الأمني.

ولا بد هنا من التأكيد على ان المجلس سيّد نفسه في عقد مثل هذه الجلسة، وليس هناك حاجة لتوصيف خطورة الوضع التي تفترض التشريع لمناقشة واقرار قوانين اصلاحية مهمة هي على جدول اعمال الجلسة المذكورة.

ولم يكتف المتضررون وبعض راكبي موجة الحراك الشعبي بذلك بل عمدوا الى محاولة قطع بعض الطرق في مناطق معينة بعد ان تجاوز الحراك هذه الطريقة في التحرك.

وبرأي مصادر سياسية ان اضراب اتحاد موظفي المصارف هو بطريقة او بأخرى جزءا من هذا التصعيد الذي يطاول قطاعاً حيوياً واساسياً ومؤثراً على غير صعيد.

ويقول المصدر ان هناك محاولات صريحة وواضحة للنفخ في نار الوضع القائم لأسباب وغايات تتجاوز الحكومة واولوية تشكيلها.