بعد ان قال المواطن اللبناني كلمته عبر انتفاضة شعبية في شوارع لبنان، تحولت اليوم الى ثورة على الواقع المعيشي الصعب والمخيف، لأن ما تحمّله هذا المواطن منذ عقود من إمعان في إذلاله من خلال سرقة حقوقه وعدم تلبية ادنى مطالبه، جعله يطلق صرخة مدوية لان الكيل قد طفح من الطقم الحاكم، الذي توّلى المسؤوليات عبر حكومات متعاقبة لم تقدّم سوى القهر لمواطنيها، فكانت النتيجة المزيد من الإنهيار الاقتصادي والمالي والنقدي، في ظل عواصف سياسية وتناحرات على تقاسم المغانم التي اوصلت البلد الى الانهيار الكلّي.

الى ذلك تتوالى الوكالات الاقتصادية العالمية بالتحذير والتنبيه من مغبة ما سيحصل في القريب العاجل، من اتجاه لبنان نقدياً الى مسار لا يُمكن تحمّله، مما يتطلّب تحرّكاً طارئاً لمعالجة الوضع الاقتصادي قبل فوات الاوان، محذرة من تزايد تداعيات الوضع المالي الذي بات في قلب الانهيار، من دون أي عمل فعلي رادع لما يجري من قبل السلطة الحاكمة، التي اشعلت الشارع اللبناني فدفعته الى قول كلمته المحقة وفرض شروطه، بعد ان كان في سبات عميق ينتظر وعود زعمائه من دون أي تنفيذ، فيما الحل كان من قبل اهل السلطة بالمزيد من فرض الضرائب العشوائية، لتسديد العجز والديون اللذين تراكما بسبب الفساد والهدر والسرقات والى ما هنالك من مزاريب، تحقق المصالح الشخصية لمعظم السياسيّين فيما مصلحة الوطن تبقى الغائب الاكبر.

وفي هذا السياق يشير الباحث الاقتصادي اديب طعمه في حديث لـ«الديار» الى ان الطبقة السياسية هي التي اوصلت لبنان واللبنانيّين الى المأزق الذي نعيشه اليوم، من دون ان تعي او تراعي خطورة الوضع السائد من كل النواحي مؤكداً أن لا علاقة بالثورة الشعبية القائمة حالياً بتدهور الوضع الاقتصادي لان انهياره بدأ قبل سنوات، فيما اضاءت هذه الانتفاضة على الوضع الصعب الذي يتطلب وعي اهل السلطة لمعالجته فوراً ، لاننا بتنا في وضع الافلاس قبل بدء الثورة، خصوصاً ان العديد من الشركات والمؤسسات اقفلت ابوابها وسرّحت موظفيها والبطالة وصلت الى نسبة مخيفة، وكل هذا يؤكد أن والوضع دقيق جداً. لافتاً الى السياسة الخاطئة التي تنفذها المصارف اللبنانية اليوم من خلال التدابير المعرقلة، معتبراً انها غير قانونية، لان المصارف لا تعطي أي إعتبار للمودعين لديها وهذا خطر جداً.

ورداً على سؤال حول كيفية معالجة الوضع، قال طعمه:» نحتاج الى صدمة ثقة يقوم بها الشعب عبر فرضه تشكيل حكومة انتقالية، تضم شخصيات تتحلى بالكفاءة مع إعطائها صلاحيات استثنائية، إضافة الى ضرورة محاربة الفساد بكل انواعه، بهدف بناء دولة حقيقية لا توّجه ثرواتها لفئة معينة» معتبراً انه في حال لم يُطبّق هذان المطلبان فلبنان سيتجه الى انهيار مخيف واكبر بكثير مما يحصل اليوم.

وعن مدى تفاؤله بتحقيق ذلك، اشار الى انه مؤمن كثيراً بقوة الشعب وبنضاله وثورته المحقة، لانه على ما يبدو سائر حتى النهاية، متوقعاً أن اعداد اللبنانيّين الثائرين سيزداد يوماً بعد يوم، لان مطالبهم محقة وهي حقوق بالدرجة الاولى لم يحصلوا عليها في أي مرة، وفي نهاية المطاف الانتصار سيكون حتمياً لهذه الثورة.

وحول طرق الاصلاح المطلوبة في هذه المرحلة، رأى طعمه أن اولى طرق الاصلاح تبدأ بملاحقة سارقي الاموال المنهوبة، وكل هذا يحتاج الى قضاء مستقل، كما ان النظام الضرائيبي غير عادل ويحتاج الى إصلاح حقيقي وفوري، وبدوره الاقتصاد اللبناني غير منتج لذا يحتاج الى هذه الصفة بقوة، والى خلق فرص عمل للشباب .

وعن مدى جديّة إستدعاءات بعض السياسيّين التي نشهدها اليوم، قال: «للحقيقة لا اثق بها وهي كمسرحية لن تصل الى نتيجة، خصوصاً ان مَن يُستدعى الى التحقيق كان محمياً، وبالتالي فالقصة معروفة ومدروسة، مع الامل في أن نصل الى المبتغى المطلوب عبر اناس مستقلين».

ورأى أن الاتجاه سائر نحو عدة دروب بحسب وعي المسؤولين وتداركهم لخطورة الوضع، لان الصعوبات عديدة وابرزها فقدان السلطة لثقة شعبها، مشيراً الى ان لبنان سيصل الى شاطئ الامان لكن في المدى البعيد وليس قريباً.

وعن هوية محرّك وداعم الثورة، اعتبر طعمه أن السلطة الحاكمة هي المحرّك الاول للثورة الشعبية بسبب سياساتها وقراراتها الخاطئة، ورأى ايضاً أن الاحزاب باتوا غير موجودين فعلياً حتى قبل الثورة، وهذا افضل للشعب اذ من الضروري جداً ان يبتعد عن السياسة والطائفية، لان هذا افضل له والمهم ان نبني جميعاً دولة مع مشروعها، مفضّلاً عدم وجود قائد للثورة الحالية لان كل مشارك فيها يحق ان يكون قائداً ضمنها.