في روما نيرون واحد. كم نيرون، بل كم كاليغولا، في هذه المدينة؟

هؤلاء الذين بالأقدام الذهبية، وبالرؤوس الخشبية، الجاهزون لاحراق لبنان من أجل البقاء على عروشهم، بعدما كرسوا، بالتقليد القبلي اياه، التوريث السياسي بأبشع أشكاله. انظروا الى ساحة النجمة، وحاولوا أن تحصوا الأبناء (والأحفاد)، والأصهار، والأقرباء.

المشهد لا يمكن تصوره في أعتى الديكتاتوريات، والتوتاليتاريات. الناس هم الحثالة. من لا يكون تابعاً لهم لا مكان له لا في الدنيا ولا في الآخرة، مع اعتقادنا بأن السماء أقفلت أبوابها في وجوهنا حتى قبل أن يعود الأنبياء الى خالقهم.

في ذروة هذه المتاهة، مات الرجل (ميشال اده) الذي قال «نحن الموارنة كلنا عقل، لكننا نجنّ كل ست سنوات. اعذرونا لا نستطيع الا أن نجنّ. من ذقني وجرّ...».

شخصية أرثوذكسية اتصلت بي، وألقت باللوم، في التراجيديا اللبنانية، على القادة الموارنة، كما لو أن عدوى النرجسية، والغطرسة، والمكيافيلية، لم تصل الى سائر القيادات. كوكتيل من الأوثان.

فضفاضة جداً كلمة «ثورة». أي ثوار في الكرة الأرضية لا يكتفون بتقطيع أوصال الجمهورية. انهم يقطعون أوصال المدينة، كما لو أن الثورات لا تقوم على ديناميكية التواصل وعلى ديناميكية التفاعل.

لا حكومة من دون سعد الحريري، مادام الرئيس المسيحي باقياً، وما دام الرئيس الشيعي باقياً. هكذا نطق هذا الشارع. اياكم والمس بالترويكا المقدسة. لا حكومة من دون جبران باسيل. هكذا قال الانجيل. عفواً، هكذا قال الشارع الآخر...

حكومة تكنوسياسية. من يتولى ادارتها، في هذه الحال؟ الذين اعتادوا على تصنيع الدمى، وقد اعتراها الصدأ، كيف لهم أن يتحملوا أمثال جان عبيد، وشربل نحاس، وعباس ابراهيم، وجورج قرم، وبهيج طبارة، وجهاد مرتضى، وغيرهم من أصحاب الحنكة، والشفافية؟

أحدهم الذي هلل، في تلك الليلة الظلماء (الليلة الهيتشكوكية)، لاستقالة الحريري، رأى ألاً أحد يمكنه انقاذ الوضع المالي سوى فؤاد السنيورة (فكروا مليّا بمن يقف وراء هذا الكلام). أحاديث كليلة ودمنة في بيت الوسط. كلهم ضد «زبائنية»، و«انتهازية» نهاد المشنوق «الذي طرح نفسه في المزاد العلني». بالحرف الواحد...

أما وقد تفككت التسوية الأولى، البحث في التسوية الثانية. لا مشكلة اذا بقي لبنان في المتاهة. من باريس جاءهم الخبر اليقين «أسبوع واحد لتشكيل الحكومة والا الانهيار». ما يستشف من الاتصالات أن الكل يبحث عن شكل الصفقة، ومحتوى الصفقة، وعن سيناريو الصفقة.

دعونا من تلك الكوميديا التي تدعى «حكومة التكنوقراط». حتى في المسألة المالية، هل يمكن للوزراء المعنيين، مهما بلغت خبرتهم، الاتفاق حول رؤية، أو استراتيجية، موحدة للانقاذ؟ هذه مرحلة تحتاج الى ألبرت اينشتاين بشاربي عنترة بن شداد.

تابعنا أحاديث البعض منهم. أحدهم لصيق بصندوق النقد الدولي، الثاني مفتون بنظرية ميلتون فريدمان (النقدوية) التي اعتمدها رونالد ريغان ومارغريت تاتشر. الآخر يطرح أفكار جون مينارد كينز. أي مايسترو بامكانه التنسيق بين تلك النظريات؟

من باريس أيضاً. الحكومة العسكرية قد تكون الحل. لا مناص من اليد الحديدية في الحقبة الراهنة. ليضعوا الساسة على الرف. الدبابات وحدها تستطيع اجتثاث الفساد بالتعاون مع قضاة وخبراء يشهد لهم بالنزاهة، وعدم التبعية. حكومة انتقالية لثلاث سنوات، على أن يتم غسل الدولة من التعفن، تنظيفها من بارونات الفساد.

الفرنسيون يقولون «مقتضيات الخلاص أقوى من نصوص الدستور» (الضرورات تبيح المحظورات). الدولة في خطر. الجنرالات، والكولونيلات، أكثر ديمقراطية من ملوك (آلهة) الطوائف في هذه الجمهورية التي كم نيرون، وكم كاليغولا، على كتفيها؟