منذ اسبوعين تعيش مدينة طرابلس وضعا استثنائيا حين انخرطت بالحراك الشعبي بكل مكوناتها الطرابلسية اضافة الى مكونات الشمال الذين اندفعوا للمشاركة في الحراك في ساحتها التي باتت الاشهر على الساحة اللبنانية نظرا لحجم المشاركين وتنوعهم من اطياف سياسية متعددة على تناقضاتهم الى جانب هيئات المجتمع المدني.

بقيت ساحة النور محافظة على نبضها اثر تحولها الى مهرجانات ليلية وسوق شعبي شجع ولا يزال المئات من الشماليين للتوجه الى هذه الساحة لاحياء «ليالي طرابلس الثورية»على وقع الانغام والموسيقى واصوات مطربين مغمورين وتخلل هذه الليالي زيارات خاطفة داعمة لفناني «الثورة السابقين» مرسال خليفة وأحمد قعبور الى فنانين وممثلين جذبتهم ليالي المدينة التي وصفت في مرحلة سابقة بقندهار لتستقبل اليوم من كان يخشى حتى عبور شوارعها. وقد نزعت عنها رداء التشدد والتطييف المستعار لتعود كما كانت قبل «الغزو التكفيري» الذي تحررت منه لاحقا.

لم تنتظر كثيرا طرابلس كي تفتح ساحتها المعروفة بساحة النور والمسجلة رسميا بساحة عبد الحميد كرامي اياديها للانضمام الى الحراك المسمى «ثورة»..

صدحت في الساحة شعارات اسقاط النظام والمطالبة بعدالة اجتماعية واستعادة الاموال المنهوبة ومكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين ..

بقيت هذه الشعارات تصدح في الساحة وسط رضى مكونات الحراك الطرابلسي وفي مقدمهم حراس المدينة الذين تولوا تنظيم الساحة من ألفها الى يائها وبجهد منظور ملحوظ ..

ثم استقال الرئيس الحريري فجأة تحت وطأة التظاهرات والاعتصامات وقطع الطرقات وما رافقها من اشكاليات امنية كادت ان تودي الى مرحلة تفلت امني وفوضى ..

فماذا حصل في ساحة النور؟

فوجىء القيمون على الحراك بدخول اكثر من ثلاثمئة شاب غاضب الى الساحة حاملين راية المستقبل الزرقاء. سمح لهم الدخول شرط استبدال الاعلام بأعلام لبنانية.

حصل ذلك ودخل الشباب الغاضب ومعهم كوادر «ثورة المحرومين»الذين سبقوا انطلاق» الثورة» باسابيع قبل السابع عشر من تشرين الاول.

بسط هؤلاء سيطرتهم على منصة الحراك التي سرعان ما تحولت الى منصة شتائم ليست نابية وحسب بل بذيئة تخجل منها العائلات ومنهم من اندفع الى بعض شاشات التلفزة يفصح عن بذاءة غير مسبوقة طالت رئيس الجمهورية والسيد نصر الله وآخرين..

آخر هذه البذاءات التي فجرت الموقف كانت لشاب مطرب قاصر شتم السيد حسن نصر الله ولم يوفر احدا. وقد اعترف يوم أمس بان احد السياسيين طلب منه ذلك. وخرج الى جانب والده يعتذر من السيد بعد كلمة لوالده الذي قدم اعتذاره مبررا انه جرى تضليل ولده القاصر وانه ليس من شيم العائلة الشتم بل يحترم السيد.

عمت نقمة واسعة في اوساط القيمين على الحراك والمشاركين فيه من كل الاطياف والشخصيات من مهندسين ومحامين واطباء ومهنيين واساتذة وطلاب وهدد هؤلاء بالانسحاب في حال استمرت المنصة بيد من يعملون على تحريف الثورة وتشويه اهدافها وظهر مسؤول حراس المدينة ابو محمود شوك في فيديو مسجل ينذر من تحريف الساحة ومن تحويل المنصة الى منصة شتائم ومؤكدا احترام السيد نصر الله والتقدير له وان الشتم ليس من شيم الطرابلسيين كما تحدث المهندس جمال البدوي المشرف العام على حراس المدينة ليؤكد بان حراس المدينة استعادوا مفتاح المنصة وسوف تعود الى متابعة نهجها في السياق الذي بدأت به والشعارات المطلبية.

عاد حراس المدينة الى الساحة في وقت تم فيه تنظيم الكلام من المنصة وفق الاصول والآداب والاخلاق بمنع المتحدث الشتم والكلمات النابية والاكتفاء بكلمات وشعارات الثورة المطلبية والتي رفعت سقفها الى شعار (مستمرون حتى اسقاط رئيس الجمهورية ومجلس النواب)..

كفت يد المتطرفون بشعاراتهم المذهبية لكن السؤال الذي يطرحه آخرون ومن الساحة: أليس شعار اسقاط رئيس الجمهورية فيه ما يشبه تطرف اولئك؟

وكيف يمكن اسقاط رئيس جمهورية ومجلس نواب بشعارات دونكيشوتية إلا اذا كان المطلوب انهيار مؤسسات الدولة والدخول في نفق الفوضى؟

يقول ناشطون في الساحة انه من المهم استبعاد المذهبيين المتطرفين الشتامين عن المنصة كي يتشجع العائلات من معاودتهم المشاركة بعد أن كانت الساحة مقبلة الى انكفاء. ومن المهم ان يعود حراس المدينة الى دورهم في الساحة لكن المطلوب تنظيم وترشيد أفضل للشعارات على أن تبقى ضمن المطالب الشعبية لمدينة تعبت من الظلم ومن التفقير والتجويع وغياب العدالة ومن بطالة مستشرية في مدينة تعيش تحت خط الفقر دفع بها الى ان تكون المدينة الرائدة في الثورة الاجتماعية وقد انفجرت بشيبها وشبابها نتيجة القهر والظلم الذي يعيش فيه اهل طرابلس والشمال الذين نزعوا الثقة عن كل نوابهم وسياسييهم والطبقة السياسية برمتها.

جرى تصويب المنصة بعد امساك حراس المدينة بها من جديد وبعد التصدي لمحاولات التحريف حيث ذكر احدهم انه ربما كان هناك مندسون لتحوير الحراك واستغلاله لمآرب أخرى لكن حراس المدينة نجحوا في انقاذ الحراك واعادته الى مساره الصحيح.

تبقى مسألة قطع الطرقات واقفال الادارات الرسمية والبنوك مسألة اخرى ذات اهمية تعمل اطراف على التصدي لها لانها تصيب المواطن الشمالي قبل غيره ولا تخدم اهداف الحراك.