رجل الدين الذي قال لرجب طيب اردوغان «ادخل الى دمشق فاتحاً أو غازياً»، يصرخ الآن «يا غيرة الدين، ياغيرة الدين»، ثم يدعو الأهالي الى اقفال طريق المصنع، وسائر طرقات لبنان «ليصبح الوطن مقفلاً الى أن يسقط النظام الفاسد».

اياه، اتهمنا بإهانة الذات الالهية في مقالاتنا. كان ينقصه في تلك اللحظة، في بلدته، أن ينقضّ علينا بالساطور. ها هو يدعو الناس الى حمل السواطير.

لم نفهم ما علاقة الدين بتغيير النظام، ولم يقل لنا ما هو النظام البديل الا اذا كان يعني نظام الخلافة، وهذا ما يبتغيه تحديداً...

لا نتصور أن طرابلس، وهي خاصرة الجمر مثلما هي صرخة الجمر، تثور للشعارات اياها. ثمة أحياء في الفيحاء لكأنها أحياء الصفيح. أين أثرياؤها؟ أين نوابها؟ أين وزراؤها؟ الكل على سطح المريخ...

الشعارات التي بدأت تنطلق الآن، وفي مناطق مختلفة، تثير الهلع. هل هي الثورة على الطبقة السياسية المتعفنة؟ هل هي الثورة من أجل دولة القانون؟ هل هي الثورة ضد ملوك الطوائف؟ ثمة من يستخدمها الآن لتفجير حروب الطوائف، واستعادة جثة أبي بكر البغدادي.

هذه ثقافتنا منذ أكثر من ألف عام. العرب ذئاب العرب. لا مكان لنا الا في الخنادق. لا مكان لنا الا في القبور.

كلنا شركاء، بالرايات السود في حفر الخنادق، وفي حفر القبور. تنبهوا كيلا يكون الآتي أعظم...

كثيرون في الداخل، وفي الخارج، يحاولون اللعب في خاصرة الجمر. المال والسلاح في الطريق. الجيش الآن. الجيش الآن. معه المؤسسات الأمنية. لا أحد غيره يحول دون السقوط في دومينو الحرائق.

ولندع تلك الأوليغارشيا الساقطة، بالمعايير السياسية، وبالمعايير الأخلاقية، وبالمعايير الفلسفية، للسلطة، تمضي في المراوغة، وفي الدلع. لتتشكل الحكومة في الحال لأن الذين عادوا الى اقفال الطرقات انما يعدّون الأرض لما هو أكثر فظاعة. لما هو أشد هولاً.

على حاجز الرينغ، رأينا من يقول بتشكيل مجلس تأسيسي ومن يقول باجتثاث النظام. اقفال هذا الطريق بالذات هو فتح الطريق أمام كل الاحتمالات. لا نشكك في أصحاب الصيحات الجريحة. ولكن ماذا تعني خطوط التماس في بيروت سوى البشرى بالحرب الأهلية. لا أحزاب في لبنان بل طوائف. الكل يضع أسنانه على الطاولة...

لا أحد يريد من رئيس الحكومة العتيد، )وليكن سعد الحريري الذي ما زلنا عند تشكيكنا بظروف، وبدوافع، استقالته)، أن يكون آتيلا الجبار، أو أن يكون مهاتير محمد. قلنا هذه أرض التسويات لا أرض الثورات.

من يدعو رجب طيب اردوغان للدخول الى دمشق فاتحاً أو غازياً، جاهز لكي يدعو بنيامين نتنياهو للدخول الى بيروت فاتحاً أو غازياً.

متى لم يكن ذلك الطراز من الاسلام الذي لم ينزل من أبواب السماء، وانما من أبواب الـ«سي. آي. اي»، العربة الايديولوجية لكل من يريد أن يمتطي هذه المنطقة ويقودها أنّى يشاء؟

نعلم أننا لا نستطيع الاتيان بمثل أولئك الوزراء الذين يحكى عنهم من كوكب آخر. على الأقل لا نستنسخ تلك الحكومات البائسة التي كانت تقبع على ظهورنا، بأمر من نجوم الطوائف، وحيث لا رؤية، ولا استراتيجية، لدولة قابلة للحياة. اذ حولوا مدن لبنان، وهو أريكة الله، كما كان يقول لنا سعيد عقل، الى مهرجان للقمامة، وللعتمة، جعلوا من الجبال فوهات الجحيم.

ذاك الشيخ هالنا كلامه. هالتنا دعوته الى الثورة المذهبية (يا غيرة الطائفة لا يا غيرة الدين)، كما لو أن تلك الطبقة السياسية لم تضع كل الطوائف، وكل المذاهب، على أرصفة الخراب.

الأيدي الخارجية، الأيدي القذرة، تلعب، في وضح النهار، على أرضنا. نقول لجيشنا الرائع، اقفل أبواب الدم. من يقفلون الطرقات انما يفتحون أبواب الدم