هذا هو الموزاييك اللبناني. من تغويه فانتازيا الشارع، بصخبه وبجنونه، وبالشعارات التي يتلقفها الهواء. ومن يقع في غواية الايديولوجيا. بين المتظاهرين من يعتقد، باللحى المسننة، أن ساعة قطع الرؤوس قد أزفت. هي المساكنة الغرائبية بين من يحملون عصا الحجاج بن يوسف الثقفي (أو ساطور أبي بكر البغدادي)، ومن يرون الخلاص في ثورة الفيس بريسلي. الموسيقى لم تعد سوناتا القمر. أن نهز جدران القمر... الذي يصل بسيارة «البورش» الحمراء الى «الداون تاون»، والذي يشعر أنه يطأ الجنة حين يعثر على موطئ قدم لحذائه الممزق أمام ذلك المقهى الفاخر. لم يتمكن يوماً من أن يحتسي فيه فنجان قهوة، ولا أن يتناول طبقاً من الفول المدمس. هنا حبات الفول... حبات اللؤلؤ ! كثيرون كسروا جدار الغربة بينهم وبين «الداون تاون». غداً قد نجد (في الجمهورية الثالثة) عربات الخضار، وباعة الترمس. الأراكيل (أراكيل الثورة) عامرة في المكان. من كان يحلم بتلك الليالي التي كأنها ليالي بيفرلي هيلز؟ رائع أن تحل الأراكيل محل البنادق. عادة من يقطفون الثورات هم أصحاب سيارات البورش الحمراء لا أصحاب الأحذية الممزقة. هذا هو منطق الأشياء La logique des choses )) قالها فرنسوا ميتران. لا تراهنوا على أن يظهر بيننا نابليون بونابرت الذي انتقل بالابنة الكبرى للكنيسة من اللازمني الى الزمني. ولن يظهر بيننا نلسون مانديلا لأننا، بفضل ملوك الطوائف، لم نعد نشبه أشجار السنديان. بالكاد نشبه عيدان الثقاب. شعارات شتى (شعارات الشتات). من يغني لرغيف الخبز، ومن يقول بالثورة حتى آخر صاروخ لدى حزب الله، ومن يدعو الى اسقاط الحكومة ( العجوز الشمطاء التي سقطت باستقالة رئيسها). يا للكوميديا الصفراء!! اسقاط الحكومة، الساقطة بكل المعايير، هي اختزال لمجلس نيابي لكأنه بالأجداد، والآباء، والأحفاد، اللوياجيرغا الأفغانية. لا بأس، حين تسقط الحكومة يسقط رئيس الجمهورية، ويسقط نجوم ساحة النجمة. ما البديل ؟ كيف يمكن أن تتشكل هيئة قيادية من تلك الشظايا؟ لولا شربل نحاس، ولو بالتحليلات الطوباوية، لما كان هناك صوت يصل الى أقاصي العقل... كنا نتمنى في الساحات تلك الأغنيات التي تعود بنا الى ليالي الجمر في ذلك العالم الافتراضي (العالم العربي) الذي تحول الى مستنقع للدم . الفنانون الآخرون، والفنانات الأخريات، يطلون علينا من وراء زجاج الفيرساتشي ولوي فيتون. بينهن قد تظهر مارلين مونرو. جين فوندا التي رفعت حذاءها في وجه ريتشارد نيكسون لا مكان لها بيننا . في العراق يهتفون للبنان. مثلنا، المرجعيات السياسية والدينية تطبق عليهم من كل حدب وصوب. مثلنا، الفاسدون في الأرض يملأون الأرض. ذاك الشبق الى الدم في العراق. رجال الشرطة كما لو أنهم يطلقون الرصاص على طيور النورس، لا على الكائنات البشرية. عصافير الأنين... نحن ايضاً عشنا شبق الدم. كثيرون يسعون الى الحرب الأهلية (الحرب اللاأهلية). أيتها البندقية العزيزة! هذه الثورة لا تصل الى مكان، ليس فقط لأنها قطعت الطرقات بأمر من هذه الجهة أو تلك، وانما لأن اصحاب الأسنان الكبيرة، سواء كانوا في الزوايا أو بين الناس، جاهزون للانقضاض على الظاهرة وتمزيقها ارباً ارباً. مضحك جداً شعار استقالة الحكومة، وقد استقالت. الآفة في مكان آخر وفي أمكنة أخرى. من يمزق الآخر؟ هذه هي المسألة يا سيدتي المركيزة... كلنا في حضرة الحائط . الطبقة السياسية لديها الاحتياطي البشري، وهو قيد الاستعداد للنزول الى الشارع. لبنان لبنانان أو أكثر. لا أحد «اشتغل» من أجل لبنان الواحد الموحد. الحل في الدولة المدنية. هذا الشعار يثير الهلع في دول المحيط. المال آت، السلاح آت، اذا ما بقيتم على هذا الشعار الذي لن يتحقق لأنه يعني الزلزال في لبنان وفي أرجاء المنطقة. اذاً، لا جمهورية ثالثة. في هذه المنطقة، بالقباقيب ندخل الى القرن... أحد المشايخ دعانا الى الصبر والصلاة. يعني الى الصبر و... السلوان !!