دوللي بشعلاني

تستمرّ الإحتجاجات الشعبية وقطع الطرقات في عدد من المناطق اللبنانية لليوم الثالث عشر (أمس) على التوالي رغم تقديم رئيس الحكومة سعد الحريري استقالته الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، سيما وأنّ المتظاهرين يصرّون على إسقاط «كلّن يعني كلّن» وتسلّم السلطة من قبل المجتمع المدني غير الحزبي، على ما يقولون. علماً أنّ إيجاد أشخاص إختصاصيين لتشكيل حكومة تكنوقراط، على ما يُطالبون، من الصعب إيجادهم، إذ ليس من أحد في لبنان لا يميل الى حزب من الأحزاب أو ينتمي اليها.

وتقول مصادر سياسية مواكبة مقرّبة من قوى 14 آذار بأنّ ما حصل في الشارع المسيحي من جهة، لا سيما في جلّ الديب بين أنصار «التيّار الوطني الحرّ» وأنصار حزب «القوّات اللبنانية»، وبين عناصر من الطائفة الشيعية والمتظاهرين الذين قطعوا الطرقات لا سيما عند جسر الرينغ من مواجهات على خلفية قطع الطرقات وفتحها على مرأى من القوى الأمنية من جهة ثانية، وما تلاها من هجوم على خيم المتظاهرين وسط البلد وتحطيمها، قد سرّع في اتخاذ الرئيس الحريري لقرار الاستقالة سيما وأنّه لا يودّ أن تعود الفتنة بين ابناء البلد الواحد الى الشارع.

وقد تحدى المتظاهرون الناس الذين لا يتظاهرون معهم، واجبارهم على النزول الى الشارع من خلال قطع الطرقات أمامهم لمنعهم من حرية التنقّل ومن مزاولة عملهم ومن حقّ التعلّم. كما آظهرت الأيام القليلة الأخيرة من الإنتفاضة حصول مواجهات سلمية عدّة بين المتظاهرين والقوى الأمنية وعناصر الجيش من خلال إصرار المتظاهرين على عدم الرضوخ لمطلبها بضرورة فتح الأوتوسترادات والطرقات الأساسية أمام المواطنين لتسهيل تحرّكاتهم، وفي ظلّ تعامل القوى الأمنية بالحسنى مع جميع المتظاهرين كون الأوامر أعطيت لهم بعدم استخدام القوّة معهم.

وفي رأي المصادر نفسها، إنّ ما وصل اليه الوضع في البلد عقب التظاهرات المستمرّة وقطع الطرقات وأدّى الى الشلل والجمود الإقتصادي والمالي، حتّم على أحد الطرفين تحريك الوضع، فأتت استقالة الحريري لتُشكّل «صدمة إيجابية»، على ما أعلن في بيان استقالته، وقد فعلت هذه الإستقالة فعلها إذ أيّدها عدد كبير من المتظاهرين وكان مرحّباً بها وشاكراً الحريري على القيام بهذه الخطوة.

غير أنّ عدم وحدة الشارع وانقسامه الى مجموعات عدّة مختلفة التيّارات والإنتماءات في كلّ من الساحات، بعضها يُوافق على التفاوض مع السلطة لتحقيق المطالب تلبية لدعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون للحوار مع ممثلين عنها، في حين يُصرّ بعضها الآخر على «إسقاط النظام والحكومة وحلّ مجلس النوّاب» من دون أن يكون لديه أي بديل عن الفراغ، على ما يرى بعض المراقبين، يجعل الأيام المقبلة مفتوحة على جميع الإحتمالات..

وفي الوقت نفسه، يجد المرحبون باستقالة الحريري بان خطوته لا بدّ وأن تُقابلها خطوة مماثلة من قبل الحراك المدني الذي يؤكّد أنّ المطالب المحقّة هي التي تُحرّكه وليس أي بلد أو جهة خارجية، تتمثّل في فتح الطرقات الرئيسية لتسهيل مرور المواطنين واستكمالهم لحياتهم الطبيعية، فيما بإمكانهم البقاء في الساحات والضغط من أجل تسريع تشكيل حكومة تكنوقراط مصغّرة، على ما يُنادون. علماً أنّ قرار الحكومة حتى الآن، على ما تقول المعلومات، هو تجنّب حصول أي صدامات في الشارع بين القوى الأمنية والمواطنين، ومنع بالتالي حصول أي صدامات بين المواطنين المتظاهرين والمارّين، على غرار ما حصل في جلّ الديب والشفروليه وعند جسر الرينغ وسواها، ولكن هذا القرار بالفصل بين المواطنين قد لا يبقى على ما هو عليه وقتاً طويلاً في حال أصرّ المتظاهرون بمواصلة قطع الطرقات وشلّ الحركة في البلاد.

أمّا شعار «كلّن يعني كلّن» الذي يستثني في أحيانٍ كثيرة بعض قادة الأحزاب من قبل بعض المتظاهرين، فليس وليد الإنتفاضة، بحسب مصادر في 8 آذار، إنّما يبدو بوضوح بأنّه معلّب، ويبتعد كثيراً عن مطالب الشعب المحقّة، إذ من غير الممكن تحقيقه في بلد مثل لبنان يقوم دستوره على المحاصصة الطائفية. من هنا، فإنّه في ظلّ غياب الحلّ، ولو كان جزئياً، واستعادة الشعب ثقته بالطبقة السياسية الحاكمة، فإنّ الأزمة في البلاد ستكبر أكثر فأكثر. كما أنّ عدم الحسم باتخاذ قرار فتح جميع الطرقات والسماح باستمرار التظاهرات في الساحات فقط، من شأنه تعميق الأزمة بدلاً من تحقيق المطالب بدءاً من تشكيل حكومة جديدة الى إجراء إنتخابات نيابية مبكرة.

أمّا من هو المتضرّر ومن هو المستفيد من استمرار قطع الطرقات وإقفال المصارف والمؤسسات العامّة والمدارس والجامعات، وشلّ الحركة في البلاد، فيجيبون بأنّ الجميع متضرّر من السلطة الى المؤسسات والمصارف وصولاً الى الشعب، أكان متظاهراً أو غير متظاهر. فحتى الإنتفاضة لا يُمكنها أن تستمرّ من دون ذهاب المتظاهرين الى أعمالهم وقبضهم لرواتبهم، خصوصاً إذا لم تكن تُموّل من دول الخارج، على ما يؤكّدون. كذلك فإنّ الشعب غير المتظاهر لا يُمكنه الإستمرار في عمله إذا تغيّب عنه لأسابيع، الأمر الذي سيؤثّر سلباً على جميع المؤسسات العامة والشركات الخاصّة، كما على المصارف وعلى الوضع الإقتصادي في البلاد. أمّا المستفيد الوحيد فهو كلّ من لا يريد النهوض والتطوّر والإزدهار لهذا البلد، وهو «جهات باتت معروفة من الجميع».