أما وقد أصبحنا في اقرب نقطة من الانفجار (الانفجار الأمني، والانفجار السياسي، والانفجار الاقتصادي، والانفجار المالي)، هل حقاً ألاّ خيار أمامنا سوى الجيش، ثم الجيش، ثم الجيش؟

الكل، أهل السلطة، وأهل المعارضة (فصائل المعارضة)، أقفلوا عيونهم، وأصمّوا آذانهم، كما لو أن ما يحدث في كوكب آخر، لا على كل طريق، وفي كل زاوية من زوايا هذا البلد الذي قادته الطبقة السياسية، الطبقة الهجينة، الى الخراب.

سفارات عدة، وباتجاهات مختلفة، حذرت من كرة النار التي تتدحرج نحو لبنان. مجلس الوزراء، بتلك القرارات الحمقاء، وبذلك الاعلان الفظ، هو من أطلق الشرارة التي تلقفتها جهات داخلية وجهات خارجية على السواء، من أجل تفجير الساحة الداخلية، بعدما آلت كل السيناريوات السابقة الى الظل.

لا أحد من اللبنانيين، سوى الأزلام، يثقون بتلك الأوليغارشيا المسؤولة عن كل مصائبنا. لم يفاجئنا بعض أركان تلك الأوليغارشيا، في محاولتهم، منذ البداية، توظيف آلام الناس، لتصفية الحسابات، الحسابات القبلية أو الحسابات النرجسية، كما لو أن ذلك الكونسورتيوم السياسي، بقضه وبقضيضه، ليس هو الذي دفعنا الى أبواب جهنم.

من لا يعلم أن من لا يزالون عالقين في سراويل القناصل, ومنذ القرن التاسع عشر، دأبوا على الاتصال بسفارات معينة، باعتبار أن الانتخابات الرئاسية باتت على قاب قوسين أو أدنى؟ كل همهم، والجدران تتداعى، رئاسة الجمهورية لا الجمهورية.

الايعاز باقفال الطرقات حلقة من السيناريو الخطير. هذا ما أكدته لنا مراجع بعيدة كلياً عن اللعبة السياسية (القذرة) وعن اللعبة الطائفية (القذرة). أولئك الذين فعلوا ذلك، والبلد يزداد اختناقاً، هل لديهم حجة واحدة لتبرير فعلتهم؟

حاجز الرينغ بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية أثار الهلع في صدور الناس. الكل توجسوا من طبول الحرب الأهلية التي تعني اعلان موت لبنان وسط تلك الضبابية التي تستشري في المنطقة من أدناها الى اقصاها.

كلنا كنا على بيّنة من أن ثمة من يسعى ليل نهار لنقل الحرائق الى الداخل اللبناني. جهود هائلة بذلتها الأجهزة العسكرية، والأجهزة الأمنية، لاحتواء الاحتمالات. وكان هناك من يحذر. أبالسة النار قد يخترقون الخاصرة الرخوة, اي الخاصرة الاقتصادية والاجتماعية، دون أن يعني ذلك تبرئة ذمة مصاصي الدماء الذين تعاقبوا (وتشاركوا) على حكمنا على مدى ثلاثة عقود، وكانت بمثابة الوجه الآخر للحرب الأهلية.

حتماً، تقطيع أوصال الجمهورية، بخلفياته السياسية المريبة، كان لا بد أن يضعنا أمام «النفق العظيم». ولقد وضعنا فعلاً، من الدخان الأسود (أم الرمادي؟) الذي انطلق من بيت الوسط بعدما استقر الجميع في قعر الزجاجة، ومن الدخان الأسود الذي انطلق من الداون تاون.

الضحايا هم اصحاب الأيدي العارية، الصرخات العارية. الذين صدقوا أن هذا البلد، بفديرالية القبائل، وبفديرالية الطوائف، يمكن ان يكون ارض الثورة. أي ثورة، بل وأي انتفاضة، وسط تلك الأدغال. الرئيس سعد الحريري وضع استقالته (الاستقالة الملتبسة) بين يدي رئيس الجمهورية. لا نتصور أنه سيذهب للتو الى المنفى الباريسي. هل يمكن للصدمة أن تحد من الايقاع الكارثي الذي يملأ المكان؟ كلام عن استقالة متفق عليها بانتظار تشكيل حكومة بديلة. ما تبين من أحاديث الأمس أن ثمة من يحث المتظاهرين على البقاء حيث هم حتى يسقط كل كرادلة الطبقة السياسية، وعلى أساس الشعار الذي طبّق الآفاق... «كلن يعني كلن».

هذه جمهورية التسويات (على مسافة واحدة من الصفقة ومن الفضيحة). الناس عرّوا الطبقة السياسية حتى من ملابسها الداخلية. افتحوا عيونكم، وافتحوا آذانكم جيداً. اما التضحية التي تعني وضع رؤوس جديدة، وذات صدقية عالية، في الضوء، أو لندع الهيكل يسقط على رؤوس الجميع...