ذاك الوزير الذي اقترح توزيع حبوب الكبتاغون على المتظاهرين...!

ماذا تعني قرارات مجلس الوزراء غير ذلك؟ أن نعود الى الهذيان (أو الى الأنين). أحد دهاقنة الجمهورية لاحظ أن «هذه ثورة الأراكيل»، و«اننا امام ذلك النوع من البشر الذين يتوحدون حول راقصة ولا يتوحدون حول قضية».

في كل الأحوال، لقد اكتشفنا لبنان الآخر. لا شيء مثل البطون الفارغة، الأزمنة الفارغة، يعيد تشكيل التاريخ. بعدما تحولت ألمانيا الى خراب، قال كونراد اديناور «لنصنع بلادنا بأيدينا لا بدموعنا».

نحن في منطقة جعل منها أولياء أمرنا مقبرة للزمن. هذه فجيعتنا الكبرى. أن نعود القهقرى. أليس أكثر الساسة عندنا أحصنة طروادة؟ ظهور للايجار في سوق الأمم. وقد لاحظنا، في بداية الانتفاضة، محاولات الانقضاض على الناس، بالشعارات النرجسية، والزبائنية، والمكيافيلية، كما لو أننا لسنا الركام داخل... الركام.

المشكلة أننا استيقظنا بعد فوات الأوان. الدولة لم تعد أكثر من مغارة فارغة، حتى أنهم سرقوا حجارة المغارة. لتقل لنا تلك المرجعية ما كان تعليقها حين حضر الى مكتبها مستشار في احدى المؤسسات المالية الدولية، وهو يحمل لائحة باسماء الرؤساء، والنواب، السابقين، الذين يتقاضون رواتب تقاعدية خلافاً لكل الأعراف، ولكل القوانين، في الدول الأخرى.

المستشار وضع أمام المرجعية اياها أسماء من يمتلكون مليارات، أو مئات ملايين، أو حتى ملايين، الدولارات، من مسروقات المال العام، وهم يقبضون رواتبهم التقاعدية كأي موظف بائس نصفه في الدنيا والنصف الآخر في الآخرة.

المستشار أبدى استغرابه حين لاحظ أن ما من أحد من أولئك المهراجات وقف امام الملأ، وقال انه يتخلى عن راتبه ولو من أجل تأمين الدواء لمريض، أو من أجل تأمين الخبز لمعوز.

هذا لا يحدث في أي بلد في العالم. اقرأوا هارولد لاسكي لتروا كيف تتمحور نظريته على الضمير السياسي كأساس فلسفي لقيام الدولة، واقرأوا بيار بورديو لتروا كيف تتمحور نظريته على الضمير الاجتماعي لقيام المجتمع.

للتوضيح، فكرة اعطاء رواتب تقاعدية للرؤساء والنواب شقت طريقها الى النور بعدما شاهد بعضهم ألفرد نقاش، وهو رئيس جمهورية سابق، عرف بنزاهته، وباستقامته، بحذاء ممزق في أحد شوارع بيروت. من اجل تدارك هذه الحالة، والحالات المماثلة (وما أقلها!) جرى سن القانون لا من أجل ذلك النائب الذي دخل حافياً الى ساحة النجمة، ومن ثم الى الوزارة. زوجته تفاخر الآن بأحذيتها المرصعة بالماس والياقوت.

مثال آخر. استاذ في الجامعة الأميركية زار تلميذه رئيس الحكومة سليم الحص غداة خروجه من السرايا. وجده في وضع صحي صعب بسبب نوبات الربو. اقترح عليه الاستجمام لبعض الوقت خارج البلاد. بعد جدال، تبين أن الحص لا يملك ثمن تذاكر السفر.

آخرون يمتلكون اليخوت، والطائرات، والودائع، ويمتلكون القصور. بالرغم من ذلك يتقاضون، دون الحد الأدنى من الخجل، رواتب تقاعدية لقاء الخدمات التاريخية التي قدموها لبلد يعتبر النموذج في الفساد، وفي التهتك السياسي والمالي.

ما حدث في مجلس الوزراء تشريع للكبتاغون. ما هذه الوصفات السحرية التي ظهرت فجأة، كما لو أنه «مجمع القديسين»، بالمعجزات، لا اللوياجيرغا التي تحتضن ملوك الطوائف، وملوك المافيات، وحتى ملوك المقابر!!

على لحى من يضحك هؤلاء حين يتحدثون عن استعادة الأموال المنهوبة. لو فتح الملف لعلقت آلاف المشانق في ساحة البرج. في هذه اللحظة، لبنان ليس بحاجة الى مهاتير محمد فقط، وانما الى جمال باشا السفاح، والى الحجاج من يوسف الثقفي.

أما وقد سعى البعض لتحويل التظاهرات (الظاهرة) الى كرنفال، لا باسيونارا هناك تصل صرختها الى اصقاع الأرض، ولا زاباتا هناك يزعزع جدران الهيكل. كلنا في حلقة مفرغة (الطاسة ضايعة). وعود كاريكاتورية. لا أحد يثق بهؤلاء. هكذا تبدأ الثورات بانعدام الثقة بين الناس والسلطة. لكن الذي يحدث على الأرض شتات بشري. لا قيادة، ولا رؤية، ولا خارطة طريق.

نخشى على الأمواج البشرية أن تتحول، على أيدي مصاصي الدماء، أو على أيدي الراقصات، الى فقاعات بشرية!