الصفقة التي ابرمت قبيل توجيه رئيس الحكومة سعد الحريري وأفضت الى قمع الحشود التي كانت تعبر عن وجعها في وسط بيروت ومناطق اخرى وبطريقة غير مسبوقة في التعاطي مع اي حراك شعبي، تؤكد ان كل ما يقال من وعود متجددة لن تكون اكثر من حبر على ورق على غرار كل الوعود السابقة، والاخطر ان يتم زج الجيش اللبناني ووضعه مباشرة في مواجهة المحتجين ما سيرتد بطريقة سلبية على الآمال الكبيرة التي يعلقها المواطن على المؤسسة العسكرية.

ولذلك، بدا واضحاً - وفق مصدر سياسي معارض لأداء أهل السلطة - ان لا نية ولا رغبة لدى المعنيين في الدولة بالدخول في خطة شاملة تخرج البلاد من ازماتها وتؤدي الى التخفيف من الواقع المزري الذي وصل اليه المواطن، ولو ان ما قام به بعض المحتجين او الذين تسللوا الى صفوف المتظاهرين في التعدي على املاك عامة وخاصة، لكن ما حصل مع المتظاهرين في وسط بيروت مساء اول امس من اذلال لعشرات المعتصمين وتوقيف أعداد غير معروفة في غير منطقة يظهر الوجه القمعي لهذه السلطة وخوفها من وصول الانتفاضة الشعبية حتى تحقيق المطالب التي اجتمع حولها اكثرية اللبنانيين، بدءاً من رحيل الحكومة الى محاسبة كل المسؤولين عن هدر المال العام ووصول البلاد الى حال الانهيار. ومن المؤشرات الفاضحة التي تكشفت في الساعات الماضية الاتي:

1- رغم كل الخلافات والصراع على الحصص بين أهل السلطة، حيث الكلام بحق بعضهم في الغرف المغلقة يتجاوز ما قاله مالك «في الخمرة»، الا ان دفاعهم عن مصالحهم وكراسيهم وحدهم في أقل من ساعات قليلة عندما شعروا أن مصالحهم مهددة.

2- اذا كان المثل يقول «ان غدا لناظره قريب» بما خص الوعود التي أطلقها المسؤولون والتي يفترض ان تتوضح معالمها خلال الساعات الـ 72 التي حددها رئيس الحكومة، الا ان «المكتوب يقرأ من عنوانه»، من حيث اقتصار الوعود التي اغدقت بعد ظهر اول امس على عناوين متكررة وعامة «لا تسمن ولا تغني من جوع»، وحتى هذه اللوعود لا قدرة للطبقة السياسية على تحقيقها في ظل اصرار الجميع على الاحتفاظ بمكتسباتهم في الدولة على طريقة توزيع المغانم والحصص، فأي مسؤول في الدولة لم يشر الى مسألة واحدة سيعاد النظر بها، خصوصا ان كل اللبنانيين اكتووا من نار المحاصصات وتقاسم الجبنة وحماية «محميات» الفساد والهدر ونهب المال العام.

3- ان الاخطر الذي اظهرته السلطة السياسية بكل مكوناتها، في إظهار وجهها القمعي بحق المحتجين والفقراء في مختلف مناطق تجمعات الاعتصامات، فكل المعطيات لدى كثير من المعنيين - تكشف ان هناك جهات هي التي دفعت بعض الغوغائيين للتعرض للاملاك العامة والخاصة - بهدف تبرير اعمال القمع والسحل والتوقيف وممارسة كل انواع التعسف بحق المتظاهرين، وما يزيد من خطورة هذا السلوك للسلطة واطرافها لجوء بعض قواها لمصادرة دور الاجهزة الامنية واعطاء نفسها الحق بالضرب والاعتداء على المتظاهرين ووقوع عدد كبير من المصابين جراء اطلاق النار على المتظاهرين في «عدد من مناطق الجنوب، رغم التعديات غير المبررة على الاملاك الخاصة، او اللجوء لتجريح مسؤولين في غير منطقة، فهذا السلوك من جانب بعض المتظاهرين وربما يكونون من المندسين يسيء بالدرجة الاولى الى المتظاهرين والغايات السامية التي نزلوا الى الشارع للدفاع عنها، لكن المصدر يلاحظ ان الصفقة التي انجزت قبل كلمة رئيس الحكومة كان من احد بنودها الاساسية اللجوء ال قمع المتظاهرين واستخدام كل اشكال الضرب والتعسف حتى عبر اللجوء الى جهات حزبية من داخل السلطة، وهو ما تأكد في موجة العنف والقمع ضد المعتصمين في كل المناطق.

4- صحيح ان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصراله قدم صورة شاملة وحقيقية عن الاسباب التي اوصل البلاد الى حافة الانهيار والانفجار الاجتماعي، بدءاً من عملية تقاسم الحصص وتوزيع المغانم منذ اكثر من 30 سنة وحتى اليوم، من جهة ومحاولة بعض القوى السياسية ركوب الموجة الشعبوية في اليومين الماضيين من القوات اللبنانية الى الحزب الاشتراكي وحزب الكتائب رفعاً لمسؤولية كونهم كانوا في فترات سابقة من ضمن «جوقة» المحاصصة او على الاقل المشاركة فيها بنسب مختلفة، وصولاً الى نيتهم الاستقالة من الحكومة او اقالة الحكومة بهدف ايصال البلاد الى حال الفوضى والانهيار في كل شيء من جهة ثانية.

5- صحيح ايضاً ان السيد نصرالله طرح مخارج وحلول يمكن ان تتلاقى عليها كل الاطراف في السلطة، لكن هناك شكوكاً الى حدود اليقين بان اطراف السلطة لن يسيروا بها او يعترفوا بان سلوكهم واداءهم هو الذي اوصل البلاد الى ما هي عليه، والمؤشرات لذلك العنف واذلال المتظاهرين وكذلك عدم قيام اي جهة سياسية فاعلة بطرح عناوين اصلاحية جدية، بل ان ما يطرح من الحريري وباسيل يعيد نفس الوعود السابقة، بينما استعادة ثقة الناس المعدومة تحتاج الى اجراءات وخطوات سريعة وعملية توقف هدر المال العام بمئات ملايين الدولارات في القطاعات المنتجة في الحد الادنى، وكذلك ما يحصل من تلكؤ ومزيد من اضاعة الوقت، حيث العجز عن حصول توافق حول بعض العناوين الاصلاحية ومواجهة الفساد، هو الذي دفع حتى اليوم دون المسارعة بعقد اجتماعات على كل المستويات بينها الحكومة كتعبير ولو شكلي عن نية السلطة بالتجاوب مع المطالب الحياتية والمعيشية واستعادة المال المنهوب، بل بالعكس فالسلطة تراهن اخماد انتفاضة اللبنانيين بالقمع والاذلال والسحل للابقاء على نفس السياسات التي اوصلت اللبنانين الى حد المجاعة في مقابل التمسك بامتيازاتهم ومصالحهم.

6- حتى لو نجحت السلطة بقمعها وفسادها اخماد نار الانتفاضة الشعبية اليوم بقوة النار والحديد، فما تأكد في اليومين الماضيين من غضب شعبي غير مسبوق ضد السلطة وادائها، ومن توحد اللبنانيين بكل انتماءاتهم وطوائفهم دفاعاً عن لقمة العيش وعن بناء دولة خالية من المحاصصة ومزاريب الهدر بان المواطن المحروم من الحد الادنى من حقوقه، وتلمسه يومياً ما يجري سرقات المال العام، لن تتمكن السلطة من التعبير عن غضبهم وسخطهم على سياسات نهب المال العام والمحاصصة، بل ان الايغال من جانب السلطة وبعض قواها السياسية باساليب العنف والقمع وسحل المتظاهرين من شأنها ان تدفع بالوضع الداخلي نحو المجهول والفوضى، كما قال السيد نصرالله في كلمة امس.

من كل ذلك، يؤكد المصدر انه مهما بالغت السلطة في القمع والعنف، وفي الهروب من محاسبة ناهبي المال العام، فهذه السياسات تأكد سقوطها ليس فقط في لبنان منذ عدوان اسرائيل عام 1982 بل في كل ما حصل من انتفاضات شعبية حقيقية في غير دولة عربية بعيداً عن الحروب التي اشعلتها واشنطن وحلفاؤها ضد اكثر من دولة عربية خاصة سوريا.