مع دخول لبنان فترة الثلاثة أشهر الحاسمة ماليًا، بدأ المراقبون يطرحون الأسئلة عن مصير موازنة 2020. هذه الموازنة، التي تُشكلّ مع ملف الكهرباء مفتاح تحرير أموال مؤتمر سيدر، يجب إقرارها في مُهَلِها الدستورية تفاديًا لأي ردّة فعل في الأسواق المالية ومن قبل وكالات التصنيف الإئتماني. والأهم هو إحتواء هذه الموازنة على إصلاحات وضعتها تقارير وكالات التصنيف الإئتماني كشرط أساسي لعدم تخفيض تصنيف لبنان الإئتماني في نهاية هذا العام.

وبحسب المُعطيات المُتوفّرة، هناك توجهان لدى اللجنة المولجة دراسة الإصلاحات الواجب إرفاقها في موازنة العام 2020: التوجّه الأوّل ينصّ على إقرار الإصلاحات في قانون الموازنة بشكل يسمح بإظهار جدّية التعاطي مع الوضع الحالي أقلّه أمام المُجتمع الدولي؛ والتوجّه الثاني ينصّ على إقرار الموازنة تقريبًا بالحالة التي رفعها معالي وزير المال علي حسن خليل، على أن يتمّ إقرار سلّة من القوانين الإصلاحية بالتوازي مع هذه الموازنة.

على صعيد أخر، لعبت الشائعات التي طالت مالية الدوّلة والليرة اللبنانية دوّرا سلبيا في تصنيف لبنان الإئتماني والدليل يكمن في نقل بعض وكالات الأنباء أخبارا هدّامة عن بعض الصحف المحلية. إلا أن تحميل الصحافة والإعلام عامّة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع المالية هو أمر بغير مكانه، إذ يبقى الفساد المسؤول الأوّل والأخير عما يُصيب لبنان حاليًا.

لجنة الاصلاحات الوزارية

اللجنة الوزارية المُكلّفة دراسة الإصلاحات المالية والإقتصادية إجتمعت أمس في السراي الحكومي بحضور كل من نائب رئيس الوزراء غسان حاصباني بالإضافة إلى الوزراء علي حسن خليل، محمد فنيش، جمال الجراح، منصور بطيش، محمد شقير، صالح الغريب، سليم جريصاتي، يوسف فنيانوس، كميل أبو سليمان، وائل أبو فاعور وعادل أفيوني. أجواء الإجتماع كانت إيجابية بحسب التصاريح حيث قامت اللجنة بدراسة قانون جديد للمناقصات إعتبره أفيوني أنه قانون ممتاز، كما تمّت دراسة خصخصة قطاع الإتصالات.

وكانت اللجنة قد درست منذ يومين مشروع قانون الجمارك الجديد الذي قدّمه وزير المال علي حسن خليل. وبحسب تصريح هذا الأخير، يُدخل القانون الجديد إصلاحات جذرية جوهرية وبنيوية في الجمارك وفي الإجراءات الجمركية وهو ما سيؤثّر إيجابًا على إيرادات الدوّلة. وبالتالي سيتمّ إقرار هذا المشروع في مجلس الوزراء من دون الحاجة إلى قانون في مجلس النواب عملاً بالإجازة للحكومة بالتشريع الجمركي. الجدير ذكره أن الإصلاحات الجمركية هي إحدى متطلبات مؤتمر سيدر وبالتالي إقراره يعني الإلتزام بإحدى متطلبات المؤتمر.

كما قامت اللجنة بدراسة أوّلية لورقة النظام التقاعدي الذي قدّمه البنك الدوّلي، إلا أن الظاهر أن هذه الورقة لا تحظى على موافقة جميع الأطراف مما دفع اللجنة إلى تأجيل البت بها بحجة الحاجة إلى مزيد من الأرقام.

أيضا تابعت اللجنة مناقشة الأوراق المُقدّمة من التيار الوطني الحرّ والقوات اللبنانية لكن من الظاهر أن هناك نوعاً من التكتمّ على دقائق الإجتماعات، أغلب الظن لبث أجواء إيجابية في الإعلام.

موازنة 2020

من جهة إخرى يستمر مجلس الوزراء بدراسة موازنة العام 2020 وبحسب الوزير علي حسن خليل، أصبحت الموازنة شبه منتهية مع الحاجة لإستكمال دراسة موازنات بعض الوزارات. والواضح أن الوزير علي حسن خليل الذي يحرص على إنجاح مشروعه، إعتمد الشكل القانوني للموازنة كما نصّ عليه قانون المحاسبة العمومية. وبالتالي نستنتج أن الوزير علي حسن خليل هو من مناصري أن يتمّ إقرار الموازنة في قانون مُنفصل عن الإصلاحات.

التوجّه الحالي لدى القوى السياسية هو عدم وضع ضرائب أو رسوم إضافية في موازنة العام 2020، إلا أن هذا الأمر قد يُفسّر تخوّف القوى من طرح ضرائب جديدة في مشروع الموازنة في ظل غياب لإجراءات مكافحة الفساد.

الجدير ذكره أن خطّة النفايات التي تقدّمت بها وزارة البيئة تحوي على مشروع قانون لفرض ضرائب جديدة على الملوثين أكانوا مستهلكين أو مُصنّعين. وبحسب تقديراتنا، فإن حجم هذه الضرائب يصل إلى 400 مليون دولار أميركي سنويًا. وإذا كنّا من مؤيدي الضرائب على التلوّث، إلا أن على الحكومة أن تعتمد الصراحة مع المواطن من خلال شرح أهداف هذه الضرائب وحجمها عملا بمبدأ الشفافية المالية الذي يُطالب به مؤتمر سيدر.

الخلل في الوضع المالي للدوّلة اللبنانية يفرض إجراءات جذرية أكثر من تلك المطروحة في الموازنة. هذه الإجراءات، المطلوبة من قبل المُجتمع الدولي، تفرض وضع ضرائب ورسوم جديدة بهدف إمتصاص الخلل في تحصيل الإيرادات. وبالتالي وبغياب إجراءات جذرية لخفض الإنفاق، هناك شبه إستحالة لتحصين العجز المتوقّع في موازنة العام 2020 خصوصا أن «momentum» العجز المُحقّق في موازنة 2018 والمتوقّع تحقيقه في موازنة 2019 كبير ويؤثّر سلبا على عجز موازنة العام 2020.

من هنا نرى أن هناك سيناريوهين:

السيناريو الأول- وينصّ على وضع ضرائب مباشرة في قانون الموازنة مثل رفع الضريبة على القيمة المضافة ورسوم إضافية على الإستيراد، ورفع نسبة الحسومات التقاعدية...

السيناريو الثاني- وينصّ على أن يتمّ وضع هذه الضرائب في قوانين منفصلة على مثال الضرائب البيئية مما يكون له وقع أقلّ على الرأي العام اللبناني.

وديعة الـ 1.4 مليار دولار

حقّق القطاع المصرفي اللبناني إنجازا كبيرا في شهر أب الماضي من خلال تلقيه وديعة واحدة بقيمة 1.4 مليار دولار أميركي. هذا الأمر يُعتبر إنجازاً هائلاً نظرا للظروف التي مرّ بها لبنان والشائعات التي عصفت بإمكانية إفلاسه.

إننا نستغرب ونُدين التعتيم على هذه الوديعة والذي فرضته الشائعات التي عصفت بلبنان خلال الفترة الماضية. فهذا الإنجاز بحدّ ذاته كان كفيلاً بمنع تخفيض تصنيف لبنان الإئتماني. وهنا نطرح السؤال: هل هناك علاقة بين التعتيم على هذه الوديعة وبين حسابات ذات خلفية سياسية؟ لماذا ترافق قدوم هذه الوديعة مع هذا الكّم من الهجوم على مالية الدوّلة اللبنانية وعلى الليرة اللبنانية؟ الجدير ذكره أن قدوم ودائع بهذا الحجم لا يمرّ مرور الكرام عادة في الدول نظرا إلى أنها تُشكّل 2.6% من الناتج المحلّي الإجمالي!

إننا إذ نؤكدّ على موقفنا أننا ضدّ أي قمح لحرية التعبير خصوصًا للصحافيين، إلا أننا نرى أن مُعالجة المواد الإعلامية التي تتعاطى الشأن المالي للدوّلة اللبنانية والليرة اللبنانية، يجب أن تأخذ بعين الإعتبار الأمن الإجتماعي للمواطن اللبناني.

هذا الأمر لا يعني بتاتًا أن الإعلام يتحمّل مسؤولية الوضع الراهن. هذا الوضع يتحمّل مسؤوليته الفساد المُستشري في البلد كما وغياب السياسات المالية للحكومات المُتعاقبة. وإذا كان لا بد من إنتقاد، فإن إنتقاد الفساد يجب أن يكون أولوية.

مصرف لبنان والـ«بفر»

إستطاع مصرف لبنان بحكمة حاكمه الحفاظ على الثبات المالي والنقدي للدوّلة اللبنانية. ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، فقد إستطاع مصرف لبنان تأمين «بفر» (Buffer) للدوّلة لإجراء الإصلاحات اللازمة في الفترة القادمة وذلك من خلال تأمين تمويل إستحقاقاتها المالية بالعملات الأجنبية.

ونتطلّع بتلهف لمعرفة كيفية تعاطي الحكومة اللبنانية مع هذا البفر والإستفادة من الوقت الإضافي الذي أمّنه مصرف لبنان للقيام بالإصلاحات التي ستسمح بعكس الإتجاه التصاعدي لعجز الموازنة (Inflection Point).

لذا نرى أن الطابة الأن هي في ملعب الحكومة اللبنانية علّ مكوّناتها تعّي خطورة الموقف وتعمد إلى محاربة الفساد الذي يتحمّل مسؤولية ما وصلنا إليه اليوم من تراجع على الصعد الإقتصادية، المالية، البيئية، والإجتماعية.