تقضي صاحبة السمو الملكي الأميرة أستريد من العائلة المالكة البلجيكية، بصفتها المبعوثة الخاصة للإتفاقية الدولية لحظر الألغام المضادّة للأفراد، يومها الثاني من زيارتها الرسمية الى لبنان بهدف تشجيعه على اتخاذ خطوات ملموسة نحو الانضمام الى المعاهدة التاريخية الإنسانية لنزع السلاح في أقرب وقت ممكن. وتواصل الأميرة أستريد لقاءاتها مع كبار المسؤولين اللبنانيين بعد لقائها أمس رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ووزير الدفاع الوطني الياس بو صعب أمس، بهدف تعزيز الأهداف الإنسانية لهذه الاتفاقية، والمعروفة أيضاً باسم «اتفاقية أوتاوا» (1997). وتدعو بالتالي لبنان للمشاركة بصفة مراقب في الاجتماع الذي سينعقد من 25 الى 29 تشرين الثاني في النروج كونها ستترأس مجموعة الدول الأطراف في الاتفاقية، وذلك لمناقشة الخطوات التالية في تنفيذ المعاهدة. فهل سيُوافق لبنان على القيام بخطوات عملية للانضمام الى هذه الاتفاقية الدولية؟

أوساط ديبلوماسية لبنانية مطّلعة أوضحت أنّ هذه الاتفاقية تحظّر استعمال أو تخزين أو إنتاج أو نقل الألغام المضادة للأشخاص أي التي تستهدف الناس وتدميرها في جميع أنحاء العالم، ولكنها لا تشمل الألغام المضادة للمركبات والدبّابات أو الأجهزة المتفجّرة التي يتمّ التحكّم فيها عن بُعد. والواقع أنّ لبنان لا يقوم بتخزين أو نقل الألغام بقدر ما عانى جنوبه ولا يزال من القنابل العنقودية التي زرعها الجانب الإسرائيلي فيه قبل انسحاب قوّاته المحتلّة منه في العام 2000 وقد بلغ عددها أكثر من 100 ألف لغم، وأدّت على مدى السنوات الماضية الى مقتل مئات اللبنانيين وجرح الآلاف وإصابة بعضهم بإعاقات جسدية. كما عاد واستخدم الذخائر العنقودية على المناطق المأهولة بالسكّان خلال حرب تمّوز- آب 2006، هذا فضلاً عن وجود الأجسام المشبوهة والقذائف غير المنفجرة التي كانت تلقيها طائراته الحربية خلال إغارتها على الأراضي اللبنانية. وهذا الأمر لطالما شكّل أزمة كبيرة بالنسبة للبنان عموماً، وللمواطنين الجنوبيين تحديداً، وقد تمكّن بفضل جهود الجيش اللبناني- المكتب الوطني لنزع الألغام - من وضع خطة شاملة لمعالجة هذه المشكلة بناء على تحديد حقوق الألغام المزروعة وفقاً للخرائط أو من دونها.

وأضافت أنّه يُمكن القول اليوم انّ نسبة ضحايا الألغام في لبنان قد تقلّصت بعد نزع غالبيتها وتوعية المواطنين على عدم لمس أو الدوس على الأجسام المشبوهة، ووضع اللافتات المحذّرة من المخاطر، غير أنّها تبقى مشكلة قائمة بحدّ ذاتها، ما دام الجانب الإسرائيلي غير موقّع على هذه الإتفاقية، ولا يلتزم بالتالي بأي من بنودها، ويقوم وقتما يشاء برمي القذائف على المنطقة الحدودية الجنوبية، والتي قد يبقى بعضها خطراً في حال لم ينفجر.

من هنا، فإنّ الدول التي تملك الألغام المضادة للأفراد، على ما شدّدت الأوساط نفسها، عليها هي التوقيع أولاً على هذه الاتفاقية والتي ليست طرفاً فيها حتى الآن مثل الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، فضلاً عن روسيا والصين وكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية وسنغافورة وباكستان وكوبا وبولندا. في حين أنّ الدول العربية التي تُعاني من مسألة زرع الألغام فيها مثل لبنان وليبيا ومصر وسوريا وسواها لا يجب أن يُطلب منها الانضمام الى هذه الاتفاقية قبل الحصول على تواقيع الدول التي تستعمل وتخزّن وتنتج وتطوّر، وتنقل الألغام ولا تقوم بالتالي بتدميرها، سواء أكانت مخزّنة أو مزروعة في الأرض. وهذا ما يجب السعي اليه ليصبح العالم خالياً من الألغام المضادة للأفراد. ولهذا فقد لا يأتي موقف لبنان أو ردّه إيجابياً لجهة طلب الأميرة أستريد بأن ينضمّ الى هذه الإتفاقية رغم أنّه بلد محبّ للسلام.

وأفادت مصادر في الاتحاد الأوروبي في هذا السياق، بأنّه «حتى الآن، انضمّت 164 دولة أي أكثر من 80% من دول العالم الى هذه الاتفاقية، وقد تمكّنت من تدمير أكثر من 52 مليون لغم مضاد للأفراد منقذة بذلك أرواحاً لا حصر لها، وطهّرت ملايين الأمتار المربّعة من الأراضي التي كانت في السابق خطرة لإعادة استخدامها الآمن».

علماً بأنّ اتفاقية حظر الألغام تُلزم الدول الأطراف فيها بإزالة التهديد الذي تمثّله الألغام المزروعة في الأرض، ومساعدة ضحايا الألغام، وتوعية السكّان المدنيين بمخاطر الألغام المضادة للأفراد، كما تُلزمها بتدمير مخزونها من الألغام خلال 4 سنوات، وتطهير جميع مناطق الألغام الموجودة تحت سيادتها خلال 10 سنوات واتخاذ التدابير اللازمة لضمان إبعاد المدنيين عن تلك المناطق، ومساعدة ضحايا الألغام بتقديم الرعاية وإعادة التأهيل. هذا فضلاً عن محاكمة ومعاقبة الأشخاص المشاركين في أنشطة تحظّرها المعاهدة، وتقديم تقارير سنوية الى الأمين العام للأمم المتحدة تعرض الخطوات التي اتبعتها كلّ دولة طرف لتنفيذ المعاهدة. وكلّ ذلك بهدف تقليص التكلفة الإنسانية والإجتماعية المدمّرة على المدى الطويل، ما جعل بلجيكا تسنّ تشريعاً وطنياً يُحظّر هذا السلاح وذلك منذ العام 1995، ولا تزال الى جانب النروج، تدعم إزالة الألغام والتوعية من مخاطرها ومساعدة الضحايا، وتدمير المخزونات، والبحث والتطوير في مجال الكشف عن الألغام وإزالتها، وتقود باستمرار الجهود لتعزيز الإتفاقية ومعاييرها عبر العالم.