لم تهدأ بعد العاصفة التي أثارها تقرير «نيويورك تايمز» عن مزاعم تحويل رئيس الحكومة سعد الحريري، مبلغ 16 مليون دولار لعارضة الأزياء الجنوب أفريقية، بل هي مرشحّة للتفاعل، ليستفيد منها خصوم الحريري في الداخل والخارج، ويستثمرونها في محطّات حساسة، كفيلة بتشويه سمعة الرجل، ومحاولة تحطيمه سياسياً وأخلاقياً وحتى عائلياً.

حتى الآن يتجنّب الحريري الردّ المباشر على الاتهام القاتل، واكتفى بتغريدة تضمّنت كلمات مقتضبة، تخفي في طياتها ألم هذا الرجل على الإمعان في ضرب صورته، غير أن ما أخفاه الحريري ألمحت إليه مصادر مقرّبة منه، اتهمت «ماكينات سياسية في لبنان وأخرى في الخارج أضحت متفرّغة لحبك المؤامرات، وضخّ الأكاذيب والشائعات». واعتبرت أن «الردّ الحقيقي على (الفضيحة المزعومة)، يكون باستمرار رئيس الحكومة في تحمّل مسؤولياته وتجنيب لبنان الانهيار، وتخطّي الأزمات المالية والاقتصادية التي تتهدد الوطن».

تحاول جهات إضفاء مصداقية على معلومات الصحيفة الأميركية، انطلاقاً من «حرفية التقارير» التي تعدّها عادة، وتظهر حقيقتها لاحقاً، لكنّ في هذه الحالة، ثمة من ألمح إلى أن «المعلومات التي استند اليها كاتب المقال، استقاها من سياسيين لبنانيين بعضهم من الخارجين من عباءة تيّار «المستقبل» و«ناكري الجميل»، وبعضهم من خصومه السياسيين، الذين يتحينون فرصة سقوط الحريرية السياسية للانقضاض عليها، وبناء زعامة سنيّة على أنقاضها». وأشارت المصادر المقرّبة من الحريري إلى أن «الحملة على رئيس الحكومة تأتي عند محطات أساسية: الأولى أنها أتت في عزّ الأزمة المالية والاقتصادية، وتصدّر الحريري مشروع مواجهة الضغوط التي يتعرّض لها لبنان اقتصادياً ومالياً، ومساعيه للحدّ من تأثير العقوبات الأميركية.

الثانية: إن توقيت نشر التقرير يتزامن مع الجهود التي يبذلها رئيس الحكومة، لتعزيز ثقة المجتمع الدولي، ووضع مقررات مؤتمر «سيدر» موضع التنفيذ، سواء باتصالاته مع الدول والمؤسسات المالية الدولية، أو بتفعيل ورشة الإصلاحات الداخلية.

ثالثاً: تأتي هذه الرواية المفبركة، في وقت قاتل بالنسبة للحريري، فهي تتزامن مع إقفال مؤسساته الإعلامية، وتسريح مئات الموظفين بسبب الأزمة المالية التي يعانيها، وهو ما يؤدي الى ضرب سمعة الحريري معنوياً وأخلاقياً، والايحاء بأنه يهدر الملايين الطائلة على الملذات، ولا يأبه لتشريد موظفيه وفقدان عائلاتهم موارد أرزاقهم، ولا حتى تسديد رواتبهم المتراكمة وتعويضاتهم».

يمكن استغلال هذه الواقعة في أكثر من موضع وإعطائها أكثر من تفسير، لكنّ لا يمكن أيضاً فصلها عن ضغوط خارجية لا زال يتعرّض لها رئيس حكومة لبنان، ولا يستبعد المصدر، «وجود رابط بين تقرير «نيويورك تايمز»، وإمعان أطراف عربيّة وخصوصاً خليجية بالمضي في إضعاف الحريري، لتدفيعه ثمن التسوية السياسية، واستمراره بالتمسّك في هذه التسوية، رغم كلّ النكسات التي تتعرّض لها، والتي جاءت على حساب مكونات معارضة لـ «حزب الله» ومنهم المسيحيون المستقلون». وأشار المصدر إلى أن «الخطورة تكمن في إتهام الحريري بالشخصي، واستهدافه بقضية أخلاقية يصعب تجاوزها في وقت قصير».

ويعترف المقرّبون من تيّار «المستقبل» أن هذه الشائعة فعلت فعلها في وجدان الناس، ولدى جمهور التيار العريض وغالبيته من العائلات السنيّة المحافظة، وهي تحتاج الى وقت طويل لمحوها من ذاكرة ووجدان الجمهور، ويؤكد هؤلاء أن «هذه الحملة لا تستهدف الحريري فحسب، بل البلد ككلّ، إذا ما جرى ربطها بالحملة على العهد وشخص الرئيس ميشال عون في الفترة الأخيرة، وتسريب معلومات مضللة مزعوم صدورها عن مصادر بعبدا، والتي تشير إلى أن حل الأزمة يبدأ باستقالة الحكومة»، وهذا لا يمكن فصله عما يروّج عن دعوات الى انتخابات برلمانية مبكرة تشترط عدم ترشيح أي من مكونات الحكومة فيها، وهذا يعني الفوضى بعينها.