يصف البيان الختامي الاستنتاجات الأولية التي يخلص اليها خبراء الصندوق في ختام زيارة (أو «بعثة») رسمية تتم في الغالب إلى بلد عضو. وتوفَد البعثات كجزء من المشاورات المنتظمة (السنوية في العادة) بمقتضى المادة الرابعة من اتفاقية تأسيس الصندوق، أو في سياق طلب من البلد العضو باستخدام موارد الصندوق (الاقتراض منه)، أو كجزء من المناقشات بشأن البرامج التي يتابعها خبراء الصندوق، أو في إطار ما يجريه الخبراء من عمليات متابعة أخرى للتطورات الاقتصادية.

وقد وافقت السلطات الوطنية على نشر هذا البيان. وتعبر الآراء الواردة فيه عن وجهات نظر خبراء الصندوق ولا تمثل بالضرورة آراء مجلسه التنفيذي. وبناء على الاستنتاجات الأولية التي خلصت إليها البعثة، سيقوم خبراء الصندوق بإعداد تقرير يقدم إلى المجلس التنفيذي، بعد موافقة الإدارة العليا، للمناقشة واتخاذ القرار.

هناك فرصة أمام الحكومة الجديدة لتنفيذ إصلاحات أساسية تعيد التوازن للاقتصاد اللبناني. نقطة الانطلاق هي من وضع صعب، بما في ذلك العجز المزدوج والمرتفع، والدين العام الكبير، والنمو المنخفض. وقد أقرت السلطات بالفعل خطة بالغة الأهمية لإصلاح قطاع الكهرباء، وتعمل الآن على وضع موازنة عامة تخفض عجز المالية العامة، وهي خطوات أولى تستحق الترحيب الشديد على مسار طويل نحو تحقيق الاستدامة والنمو، على أن تعقبها خطوات أخرى كبيرة لتعزيز الضبط المالي وإجراء إصلاحات هيكلية تحسِّن بيئة الأعمال والحوكمة في لبنان.

ويُلقي هذا البيان الضوء على أهم النتائج والتوصيات التي خرجت بها بعثة مشاورات المادة الرابعة التي زارت لبنان مؤخرا (19 حزيران 2 تموز 2019)، استنادا إلى مناقشاتنا مع مجموعة واسعة من الأطراف المعنية. وسيتضمن تقرير خبراء الصندوق قيد التحضير «تحليلا» أشمل لقضايا السياسات. ونتوجه بالشكر إلى السلطات اللبنانية والأطراف الآخرين على كرم ضيافتهم وعلى المناقشات الثرية والمثمرة التي عقدناها معهم.

} أهم الرسائل }

تتطلب تقوية الاقتصاد اللبناني العمل في ثلاثة مجالات:

- وضع خطة موثوقة بها متوسطة الأجل للمالية العامة، تهدف إلى تحقيق فائض مالي أولي كبير ومستدام من شأنه تخفيض نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي بصورة تدريجية مطردة.

- إجراء إصلاحات هيكلية أساسية لتعزيز النمو والقدرة التنافسية الخارجية، بدءا من تحسين الحوكمة وكذلك تنفيذ خطة إصلاح قطاع الكهرباء وتوصيات «رؤية لبنان الاقتصادية».

- اتخاذ إجراءات لزيادة صلابة القطاع النقدي من خلال تعزيز الميزانية العمومية لمصرف لبنان ومواصلة بناء رؤوس الأموال الوقائية لدى البنوك.

} أولا: السياق }

1- هذه لحظة مهمة بالنسبة للبنان. فمنذ فترة طويلة، يعاني لبنان من عجز المالية العامة الكبير الذي وصل بنسبة الدين العام إلى أكثر من 150% من إجمالي الناتج المحلي. كذلك وصل عجز الحساب الجاري إلى أكثر من 25% من إجمالي الناتج المحلي، ولا يزال النمو منخفضا منذ بداية الأزمة السورية. ورغم مهارة مصرف لبنان في الحفاظ على الاستقرار النقدي لعدة سنوات في ظل ظروف عصيبة، فقد زادت التحديات التي يواجهها في قيامه بهذه المهمة. ومن الضروري أن يبدأ لبنان عملية ضبط مالي كبيرة وإصلاحات هيكلية لاحتواء الدين العام وزيادة النمو. فالضبط المالي والإصلاح هما السبيل الوحيد للخروج من وضعه الحالي.

2- وهناك فرصة أمام الحكومة حاليا لتنفيذ الإصلاحات وتغيير مجريات الأمور إلى الأفضل. فقد وافقت على خطة جديدة، أقرها البرلمان مؤخرا، لإصلاح قطاع الكهرباء وخفض تكلفته على المالية العامة. كذلك عرضت الحكومة على البرلمان مشروع موازنة يهدف إلى تخفيض عجز المالية العامة الكلي في عام 2019. وتمثل الموازنة وإصلاح قطاع الكهرباء أول خطوتين على مسار طويل لإعادة توازن الاقتصاد الذي سيحتاج إلى مزيد من الضبط المالي والإصلاحات الهيكلية الجذرية.

3- وستشجع الإصلاحات المانحين على صرف القروض البالغة 11 مليار دولار أميركي التي تعهدوا بتقديمها للسلطات اللبنانية بشروط ميسرة أثناء «المؤتمر الاقتصادي للتنمية من خلال الإصلاحات ومع الشركات» (سيدر) في نيسان 2018 لتمويل «خطة الاستثمار الرأسمالي». وتهدف خطة الاستثمار الرأسمالي إلى تحسين البنية التحتية في لبنان مع توفير فرص عمل للاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة لهم. ويمكن أن يؤدي ارتفاع النمو المرتبط بذلك على المدى القصير إلى تخفيف الأثر الانكماشي للضبط المالي المخطط له، وخاصة إذا حسَّنت السلطات إطار إدارة الاستثمارات العامة في مرحلة مبكرة من خطة الاستثمار الرأسمالي.

} ثانيا: بيئة اقتصادية صعبة }

4- زاد تباطؤ النشاط الاقتصادي في عام 2018. وتشير التقديرات إلى انخفاض النمو إلى 0.3% في العام الماضي تأثراً بانخفاض مستوى الثقة، وارتفاع عدم اليقين، وتشديد السياسة النقدية، والانكماش الكبير في قطاع العقارات. وقد تجاوز متوسط معدل التضخم 6% في عام 2018، وهو ما يرجع جزئيا إلى ارتفاع أسعار المحروقات المستوردة، ولكنه تباطأ في النصف الثاني من العام وفي عام 2019.

5- وبلغ عجز الموازنة 11% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2018، مقابل 8,6% في عام 2017. وانخفض الرصيد الأولي إلى -1,4% من إجمالي الناتج المحلي بسبب الزيادة غير المتوقعة لكلفة سلسلة الرواتب التي طُبقت في أواخر عام 2017 إلى جانب التعيينات الجديدة. كذلك كانت الإيرادات الضريبية أقل من المتوقع. ونظرا لحجم الدين العام الكبير (151% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2018)، فإن مدفوعات الفائدة تتجاوز الآن 9% من إجمالي الناتج المحلي.

6- وزاد اتساع الاختلالات الخارجية. فقد ارتفع عجز الحساب الجاري إلى أكثر من 25% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2018، بسبب اقتران النمو المنخفض للصادرات مع ارتفاع واردات المحروقات، وتراجع صافي تحويلات العاملين في الخارج إلى لبنان. وقد استمر ارتفاع سعر الصرف الفعلي الحقيقي ولا تزال زيادته المقدرة كبيرة.

7- وتوقفت تدفقات الودائع الداخلة فعليا كما انخفضت الاحتياطيات الأجنبية لدى مصرف لبنان. فقد كان معدل نمو الودائع في عام 2018 هو الأدنى منذ عام 2005 وانخفضت الاحتياطيات لدى مصرف لبنان بنحو 6 مليار دولار أميركي منذ أوائل عام 2018 على الرغم من استمرار العمليات النقدية التي يقوم بها المصرف المركزي، وهو ما يرجع جزئيا إلى مدفوعات أصل الدين وقسائم الفائدة على سندات اليوروبوند التي سددها خلال نفس الفترة. وقد انخفض الإقراض المصرفي المقدَّم للقطاع الخاص، وارتفعت القروض المتعثرة وزادت دولرة الودائع إلى أكثر من 70%.

8- وانعكاسا لهذه التحديات، خفضت مؤسسات التصنيف الائتماني تصنيف لبنان مرة أخرى هذا العام. فقد أدت التطورات في أداء المالية العامة، وتدفقات الودائع، وعائدات السندات السيادية إلى قيام مؤسسة موديز بتخفيض التصنيف السيادي إلىCaa1 أما مؤسستي ستاندرد آند بور وفيتش فقد حولتا النظرة المستقبلية إلى سالبة عند مستوى التصنيف B- .

9- وتعتمد آفاق الاقتصاد على التقدم المحرز في الإصلاح وعلى التطورات خارج لبنان. فالتنفيذ الدؤوب لجهود الحكومة في مجال الضبط المالي خلال عامي 2019 و2020 وإجراء الإصلاحات الهيكلية المخطط لها يمكن أن يؤديا إلى تعزيز الثقة، وإعطاء الاقتصاد فرصة لالتقاط الأنفاس، وتشجيع الجهات المانحة على صرف القروض الميسرة التي تعهدت بتقديمها في مؤتمر «سيدر» لتمويل خطة الاستثمار الرأسمالي. لكن المخاطر ومواطن الضعف لا تزال قائمة. فقد تتآكل الثقة إذا فشلت الحكومة في تحقيق أهدافها والمضي قدما في الإصلاحات، أو حدث انهيار في توافق الآراء السياسية والاجتماعية. ومن ناحية أخرى، هناك احتمالات ايجابية يمكن أن تساعد، فبحال تحققت، في دعم جهود الحكومة من أجل الضبط المالي. ومن شأن حل الصراع السوري وتطبيع العلاقات أن يعودا بالنفع على لبنان من خلال المشاركة في جهود إعادة الإعمار في سوريا. كذلك فإن الاكتشاف المحتمل لحقل غاز طبيعي في المياه الإقليمية اللبنانية، حيث يُتوقع بدء التنقيب مع نهاية العام، من شأنه دفع النمو وتحسين الرصيد الخارجي.

} ثالثا: أولويات السياسات }

10- يعتبر التنفيذ الدؤوب لبرنامج إصلاحي قوي ومترابط عاملا بالغ الأهمية للحفاظ على الثقة. فإعادة التوازن للاقتصاد في الإطار الحالي لنظام سعر الصرف الثابت أمام الدولار الأميركي تتطلب عملية ضبط مالي كبيرة وموثوقة يتم تنفيذها بقوة وإصلاحات هيكلية طموحة. ولن يتحسن الاستثمار والنمو والصادرات إلا بتحقيق تحسن كبير في مناخ الأعمال والحوكمة.

} ألف - ضبط مالي مستدام ومبكر }

11- تهدف موازنة عام 2019 إلى إجراء ضبط مالي كبير. فالموازنة المقدمة إلى البرلمان تستهدف عجزا بنسبة 7,6% من إجمالي الناتج المحلي، بهدف تصحيح الانحرافات في العام الماضي واللحاق بالمسار الذي تم التعهد به في مؤتمر «سيدر». وهي تعتمد على عدد كبير من الإجراءات على جانبي الإيرادات والنفقات، وأهم الاجراءات تقتصر على ثلاث سنوات فقط، وتتضمن: (1) زيادة الضريبة على الدخل من الفائدة من 7% إلى 10%، و(2) فرض ضريبة على السلع المستوردة بمعدل 2%، و(3) تجميد التوظيف والتقاعد المبكر في القطاع العام. وهناك إجراءات أخرى تشمل فرض ضريبة على لوحات ترخيص سيارات الأجرة ولوحات الترخيص المكونة من ثلاثة أو أربعة أرقام وزيادة رسوم الأمن العام (على تصاريح العمل، والتأشيرات، وغيرها).

12- وتشير التقديرات الأولية لخبراء صندوق النقد الدولي إلى أن إجراءات الموازنة ستخفض عجز المالية العامة المحسوب على أساس نقدي إلى حوالى 9,75% من إجمالي الناتج المحلي. ورغم أن الموازنة لم يتم إقرارها بعد ولم يتأكد بعد الشكل الذي ستتخذه الموازنة المعتمدة، فمن المرجح، استنادا إلى المعلومات الحالية، أن يكون العجز المتوقع أعلى بكثير من المستوى المستهدف الذي أعلنته السلطات. وهناك عدم يقين أيضا بشأن رصيد أوامر الدفع القائمة وعملية تسويتها التي ستؤثر على العجز النقدي في عام 2019. غير أن الوفورات المؤقتة من مدفوعات الفائدة بسبب التأخر في إصدار سندات اليوروبوند سيكون تأثيرها إيجابيا على العجز المتوقع.

13- ومن المتوقع أن تؤدي الإجراءات المقترحة في الموازنة إلى جانب الوفورات الناتجة عن إصلاحات قطاع الكهرباء إلى خفض العجز الأولي في الفترة 2020-2022 ولكن الدين سيظل على مساره صعودي. ويقدَّر تأثير سنة كاملة من الإجراءات التي يعرف خبراء الصندوق تفاصيلها بنحو 2,3% من إجمالي الناتج المحلي، مما سيساهم في إحداث تحوُّل إيجابي طفيف في الرصيد الأولي عام 2020. وعلى المدى المتوسط، ستحل الوفورات الكبيرة المتوقعة من خطة إصلاح قطاع الكهرباء، إذا نُفذت بالكامل، محل الإيرادات الضائعة نتيجة انتهاء الإجراءات المؤقتة في موازنة عام 2019 وسينتج عنها عجز أولي بسيط. ولكن في حالة عدم اتخاذ إجراءات إضافية، سيظل العجز الأولي أعلى من المستوى المحقِّق لاستقرار الدين، وتظل نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي، على مسارها الصعودي غير المستدام.

14- بهدف استدامة الدين، يتعين أن تعلن السلطات خطة متوسطة الأجل للمالية العامة تقوم على إجراءات موثوقة ودائمة من شأنها تحقيق فائض مالي أولي كبير على المدى المتوسط. ويتوقع خبراء الصندوق أن يكون تحقيق فائض أولي قدره 4,5% تقريبا من إجمالي الناتج المحلي أمرا ضروريا لإحداث خفض ملموس في نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي على المديين المتوسط والطويل. فتحديد الإجراءات والاتفاق عليها سلفا لدعم هذه الخطة يمكن أن يعطي دفعة دائمة للثقة. وفي الخطط الحالية، ستكون هناك إجراءات دائمة على جانب الإيرادات بنسبة 0,5% تقريبا من مجموع الإجراءات المتعلقة بالإيرادات لعام 2019، كما يمكن لخطة قطاع الكهرباء الحالية التي أقرتها السلطات أن تحقق وفورات إضافية بمقدار نقطتين مئويتين من إجمالي الناتج المحلي على المدى المتوسط. وسيتعين على السلطات تحديد إجراءات دائمة إضافية على صعيد المالية العامة والقيام بتنفيذها لتحقيق الفائض الأولي اللازم.

15- وينبغي أن تشمل الإجراءات المعنية بالإيرادات زيادة في معدلات ضريبة القيمة المضافة وفي رسوم المحروقات، مع بذل جهود لتعزيز الامتثال الضريبي. كذلك فإن الزيادة المؤقتة في الضريبة على الدخل من الفائدة في موازنة عام 2019 يمكن جعلها دائمة. ولتحقيق زيادة أكبر في الإيرادات على نحو موثوق وسريع، يتعين اتخاذ إجراءات تعتمد على البنية التحتية الحالية لتحصيل الضرائب، مثل ضريبة القيمة المضافة ورسوم المحروقات. ويمكن أيضا تحقيق زيادة كبيرة في الإيرادات عن طريق توسيع قاعدة ضريبة القيمة المضافة من خلال إلغاء الإعفاءات على بعض السلع مثل اليخوت المسجلة في الخارج، والديزل المستخدم لتوليد الكهرباء، والمركبات الألية. وينبغي للسلطات أيضا تحسين الإدارة الضريبية، وهو ما يمكن أن يحقق إيرادات إضافية مهمة، بما في ذلك ما يمكن تحصيله ممن يتهربون حاليا من الضرائب. غير أن تحسين التحصيل الضريبي سيتطلب إجراء ملموسا. وأحد الخيارات في هذا الصدد هو إلزام الشركات بعدم استخدام أي كشوف مالية إلا المعتمدة من وزارة المالية (عند تقديمها الإقرارات الضريبية) للحصول على قروض من البنوك. ويمكن أن يؤدي نجاح الجهود المبذولة لتحسين عملية تحصيل الضرائب الحالية إلى تقليل الحاجة إلى زيادة معدلات الضرائب.

16- ويعتبر إلغاء دعم الكهرباء أهم إجراء يمكن أن يحقق وفورات كبيرة في الإنفاق. وتهدف الخطة الحكومية لقطاع الكهرباء إلى التحول من استخدام الوقود إلى استخدام الغاز الطبيعي لخفض تكاليف الإنتاج في المصانع القائمة، وزيادة قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تلبية الطلب، ثم زيادة التعرفة لإلغاء دعم الكهرباء. وينبغي أن تضمن السلطات اشتمال خطة قطاع الكهرباء على زيادة في التعرفة تكفي لسد العجز لدى مؤسسة كهرباء لبنان على المدى المتوسط في ظل افتراضات قوية وواقعية بشأن الحد من الخسائر الفنية وغير الفنية. ومن الضروري البدء في زيادة التعرفة في أقرب وقت ممكن لتحقيق وفورات في المالية العامة، وربما استهداف أكبر المستهلكين أولا.

17- وينبغي للسلطات أيضا إجراء مراجعة شاملة للإنفاق العام لتحديد المجالات الأخرى التي يمكن تحقيق وفورات فيها. ويمكن أن يبنى ذلك على الجهود الجارية لدراسة خيارات إصلاح نفقات الأجور ومعاشات التقاعد. ويُلاحَظ أن النفقات الكلية على رأس المال والتعليم منخفضة، وقد يتطلب الأمر زيادتها على المدى المتوسط للمساعدة في رفع النمو. غير أن الإنفاق على الأجور والمستحقات في القطاع العام، بما في ذلك في مجال التعليم، غالبا ما يتسم بعدم الكفاءة وينطوي على فرص لتحقيق وفر مالي.

18- وينبغي أن تقترن إجراءات الضبط المالي بإجراءات مكملة لزيادة التحويلات الموجهة للفقراء ومحدودي الدخل. فشبكة الأمان الاجتماعي محدودة حاليا في لبنان. ولتخفيف أثر الضبط المالي المطلوب، ينبغي أن تتوخى السلطات توجيه إنفاق إضافي قدره 0,5 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي إلى شبكة الأمان الاجتماعي. ويمكن توجيه معظم هذا الإنفاق من خلال التوسع في البرنامج الوطني لاستهداف الفقر الموجود حاليا».

باء - الإصلاحات الهيكلية المعزِّزة للنمو والصادرات

19- الإصلاحات الهيكلية الجوهرية عامل أساسي لدفع النمو وتحسين القدرة التنافسية الخارجية. فقد شهد لبنان سنوات من النمو المنخفض والعجز الكبير في الحساب الجاري، وكلاهما بالإضافة إلى الآثار السلبية للتطورات الإقليمية يعكس تآكلا كبيرا في تنافسيته الخارجية. ويجب تخفيض كلفة ممارسة الأعمال في لبنان لرفع مستوى النمو الممكن. وبالمثل، فنظرا لتثبيت سعر الليرة مقابل الدولار، سيكون من الضروري إجراء إصلاحات هيكلية عميقة لتعزيز الصادرات من أجل التصحيح الخارجي. وهناك مجالان لهما الأولوية في الإصلاحات، وهما توفير الكهرباء، حيث وافقت السلطات بالفعل على خطة لهذا الغرض، وتحسين الحوكمة. وإلى جانب ذلك، تطرح رؤية الحكومة في مؤتمر «سيدر» أفكارا محددة لإصلاحات ينبغي تنفيذها. وكل هذه الجهود مطلوبة لمعالجة الاختلالات الخارجية حتى ولو تحققت بالفعل بعض الاحتمالات الإيجابية على المدى الطويل، بما في ذلك استكشاف وتنقيب حقول الغاز وحل الصراع السوري.

20- وينبغي أن تقوم السلطات بإقرار وتنفيذ التشريعات المتعلقة بالإصلاحات الأساسية الداعمة للنمو والتي حددتها رؤية الحكومة في مؤتمر «سيدر». ويشمل ذلك التعجيل بتنفيذ قوانين الإصلاح التي تم إقرارها بالفعل مثل قانون التجارة وقانون الوساطة القضائية، وكذلك إقرار قانون جديد للجمارك، ولوائح منظمة لتصفية النشاط التجاري، وقانون للإفلاس، وقانون لوكلاء الإعسار، وقانون بشأن الإقراض المضمون. وينبغي أن تقوم السلطات أيضا بمعالجة العوائق التنظيمية أمام تطوير المناطق الصناعية التي يمكن أن تستفيد من فرصة إعادة الإعمار المحتملة في سوريا.

21- وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي تنفيذ توصيات المساعدة الفنية بشأن تقييم إدارة الاستثمارات العامة قبل تنفيذ الجانب الأكبر من خطة الاستثمار الرأسمالي. فمن الضروري إنجاز أهم التحسينات على إطار إدارة الاستثمارات العامة في لبنان قبل تنفيذ معظم المشروعات الواردة في خطة الاستثمار الرأسمالي، لتعظيم مكاسب النمو التي تحققها الاستثمارات المخطط لها. وتتضمن أهم الإصلاحات دمج إنفاق «مجلس الانماء والاعمار» في الموازنة وإصدار قانون للمشتريات العامة.

22- وينبغي التقدم في خطة قطاع الكهرباء دون تأخير. فمن شأن قيام مؤسسة كهرباء لبنان بزيادة إمدادات الكهرباء لتصبح على مدار الساعة أن يقضي على واحد من أكبر القيود التي تعيق ممارسة الأعمال في لبنان.

23- كذلك يجب أيضا التعجيل باتخاذ مزيد من الخطوات الملموسة للحد من الفساد. وقد أقرت السلطات تشريعات لشفافية المعلومات العامة ومكافحة الفساد، بما في ذلك قانون حق الوصول إلى المعلومات، وقانون حماية كاشفي الفساد، وقانون تأسيس لجنة وطنية لمكافحة الفساد، وقانون شفافية قطاع النفط والغاز. وينبغي تنفيذ هذه التشريعات بسرعة وفعالية، بما في ذلك عن طريق تعيين لجنة مستقلة لمحاربة الفساد تتمتع بصلاحيات وموارد كافية، ويكملها اعتماد التشريعات المعلقة بشأن الإثراء غير المشروع والتصريح العلني عن الأصول. وهناك أولويات أخرى تشمل اعتماد استراتيجية لمكافحة الفساد والتحقيق مع مرتكبي أعمال الفساد وملاحقتهم قضائيا بحيث يتناسب عدد الإدانات والمصادرات في قضايا الفساد مع المخاطر ذات الصلة. وسيكون هذا العنصر الأخير اعتبارا مهما في التقييم القادم الذي تجريه فرقة العمل للإجراءات المالية المعنية بمكافحة غسل الأموال ومحاربة الارهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (راجع أدناه).

جيم - السياسة النقدية والاستقرار المالي

24- كان مصرف لبنان ركيزة الاستقرار المالي والكيان الحارس لنظام سعر الصرف، ولكن ذلك جاء على حساب تكثيف الروابط بين البنوك والمالية العامة وإثقال كاهل ميزانيته العمومية. وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، وفرت العمليات النقدية التي يقوم بها مصرف لبنان عائدات حدية كبيرة بالليرة اللبنانية على الودائع الجديدة للبنوك بالدولار الأميركي لدى المصرف. وأدى ذلك إلى زيادة حيازات المصرف بالدولار الأميركي دون التأثير على أسعار الفائدة على الودائع القديمة لديه وعلى الدين الحكومي. كذلك ساعدت هذه العمليات البنوك على تقديم أسعار فائدة مرتفعة لمودعيها بهدف جذب تمويل جديد أو الاحتفاظ بالتمويل القائم مع المحافظة على ربحيتها. ومن ناحية أخرى، ونتيجة لذلك، أصبحت الأوراق المالية الحكومية والودائع لدى مصرف لبنان تشكل الآن 14% و55%، على الترتيب، من أصول البنوك، حيث يبلغ حجم الانكشاف الكلي على الديون السيادية 68,5% من الأصول (أكثر من 8 أضعاف رأس المال الأساسي).

25- وقد اضطر مصرف لبنان إلى اعتماد سياسة نقدية انكماشية لموازنة أثر سياسة المالية العامة التيسيرية، مما ساهم في انخفاض القروض الى القطاعات المنتجة. فقد أدت عمليات المصرف المركزي إلى تمكين البنوك من تقديم أسعار فائدة مرتفعة للمودعين بهدف الاحتفاظ بالودائع التي مولت العجز المزدوج في لبنان لفترة طويلة ولجذب ودائع جديدة. غير أن هذه العمليات تسببت أيضا في رفع أسعار الفائدة على القروض، حيث ارتفع سعر الفائدة المرجعي بالدولار الأميركي من 6,8% في تشرين الثاني 2017 إلى 9,7% في حزيران 2019. وأدى ذلك بدوره إلى مزيد من الانخفاض في القروض المقدَّمة للقطاع الخاص وارتفاع حجم القروض المتعثرة تحت وطأة بيئة اقتصادية صعبة. وتؤكد هذه التطورات على الضرورة الملحة للضبط المالي الذي سيحقق انخفاضا في أسعار الفائدة.

26- وينبغي أن يعمل مصرف لبنان على تقليص العمليات شبه المالية بالتدريج وتقوية ميزانيته العمومية. فعليه أن يتراجع عن شراء السندات الحكومية والسماح للسوق بتحديد العائد على أدوات الدين الحكومية. ذلك أن شراء أدوات الدين الحكومية المقترحة ذات الفائدة المنخفضة من شأنه إضعاف الميزانية العمومية للمصرف وتقويض مصداقيته. كذلك ينبغي ألا يكون هناك أي ضغط على البنوك الخاصة لشراء أدوات الدين ذات الفائدة المنخفضة. وينبغي أن يقوم مصرف لبنان بإلغاء عملياته المالية تدريجيا بمجرد أن يسمح بذلك الضبط المالي وما سينتج عنه من انخفاض لاحق في العائدات التي يطلبها المستثمرون.

27- وينبغي التحرك لمواصلة بناء رؤوس الأموال الوقائية لدى البنوك وزيادة مستويات التغطية التأمينية للودائع. فتحقيق الاتساق التام مع اتفاقية بازل الثالثة فيما يتعلق بأوزان مخاطر حيازات البنوك من أدوات مصرف لبنان يمثل آلية جيدة لزيادة رأس المال الإلزامي الفعلي. ووفقا لمشورة «برنامج تقييم القطاع المالي» (FSAP ) لعام 2016، ينبغي أن تزيد السلطات مستويات التغطية التأمينية للودائع وأن تمنح أفضلية للمودعين المؤمن عليهم بموجب قواعد التسلسل الهرمي للدائنين المطبقة عند تسوية أوضاع البنوك الفاشلة وتصفيتها.

28- ومن الضروري مواصلة التنفيذ الفعال لإجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب للحد من مخاطر غسل الأموال/تمويل الإرهاب الأساسية وضمان الحصول على تقييم إيجابي في هذا الصدد من فرقة العمل للإجراءات المالية المعنية بمكافحة غسل الأموال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENAFATF. ). وقد عززت السلطات إطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. واستعدادا للتقييم المقبل، يتعين عليها أن تركز أيضا على فعالية الإطار، تماشيا مع النسخة المعدلة من منهجية التقييم الصادرة في 2012 عن فرقة العمل للإجراءات المالية المعنية بمكافحة غسل الأموال (FATF ) فالفشل في الحد الفعال من مخاطر غسل الأموال/تمويل الإرهاب أو الحصول على تقييم سلبي بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب من شأنه التأثير سلبا على الاستثمار وتهديد استمرار علاقة البنوك مع البنوك المراسلة. وتحقيقا لهذه الغاية، نشجع السلطات على إطلاع كيانات القطاعين العام والخاص ذات الصلة على نتائج تقييمات المخاطر. وإلى جانب ذلك فإن التنفيذ الفعال للإطار الحالي يستلزم اتخاذ إجراءات وإدخال تحسينات مستمرة للحد من المخاطر تشمل، ضمن أمور أخرى: (1) ما يتعلق بالرقابة القائمة على المخاطر في مجال مكافحة غسل الأموال/تمويل الإرهاب، و(2) تطبيق إجراءات وقائية، و(3) تطبيق إجراءات تتعلق بشفافية الكيانات القانونية، و(4) فرض عقوبات مالية موجهة، و(5) الحصول على المعلومات النقدية عن طريق أجهزة إنفاذ القانون والهيئات القضائية، و(6) زيادة أعداد عمليات الملاحقة القضائية والإدانات المتعلقة بغسل الأموال، بما يتماشى مع المخاطر التي تواجه لبنان. ونحن ندعم الخطط التي وضعها مصرف لبنان بهدف الإلغاء الكامل للحسابات الرقمية في الجهاز المصرفي (والتي يُشار إليها أيضا باسم الحسابات السرية).

وينبغي أن تقوم السلطات بمراجعة الأدوات المتاحة لمواجهة العسر المالي في المؤسسات المؤثرة نظاميا.

وقد أحرزت لجنة الرقابة على المصارف تقدما في وضع خطط التعافي.

وينبغي الآن أن تمضي قدما في تحديد الوظائف الأساسية التي تؤديها المؤسسات المؤثرة نظاميا التي يجب الحفاظ عليها ووضع خطط لتسوية الأوضاع لكل مصرف على حدة.

إدارة التواصل، صندوق النقد الدولي

قسم العلاقات الإعلامية

مسؤول الشؤون الصحفية: