بات من الواضح أن رئيس الحكومة سعد الحريري، ومن خلال الأجواء السياسية المتداولة من قبل المقرّبين والأصدقاء وحتى الخصوم، لن يخرج من التسوية التي أبرمها مع وزير الخارجية جبران باسيل، والتي ليس ببعيد عنها «حزب الله»، والتي يتبيّن أن الحريري لم يعد ذاك الرجل الذي كان رأس حربة في فريق 14 آذار، وحينما كان تيار «المستقبل» في أوجّه. وينقل عن متابعين بأن رئيس الحكومة، ومنذ أشهر، بدأ يبتعد عن المملكة العربية السعودية، أو باتت العلاقة مختلفة عما كانت عليه في الماضي، لا سيما وأنه كان يعتبر الحليف الأبرز أو الرقم 1 لدى الرياض، بحيث تم تزويده بمعلومات من خلال لقاءاته الخارجية، بأن الأوضاع في الخليج والسعودية ذاهبة إلى أجواء تصعيدية في حروبهم مع اليمن، إضافة إلى متغيّرات إقتصادية ومالية في الخليج، وعليه، فإن معظم أوراقه السياسية باتت لدى الفرنسيين من خلال صداقته مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قام بدور رئيسي يوم حصلت تلك الحادثة معه في السعودية، وعليه أضحت لقاءاته شبه دورية مع ماكرون، الذي لعب دوراً شخصياً وأساسياً للتوصل إلى مؤتمر «سيدر»، وها هو الحريري، وفق المعلومات الوثيقة، ذاهب إلى باريس بعد أيام قليلة للإجتماع بالرئيس الفرنسي، والهدف الأساس والرئيسي من خلال المعلومات من المحيطين، إنما يكمن في الطلب من صديقه ماكرون لممارسة دوره و«مَونته» على الدول المانحة لعدم تكبيله وتكبيل الحكومة والدولة اللبنانية بالشروط الإقتصادية المالية والسياسية، وذلك بعد زيارة مستشار المؤتمر المذكور بيار دوكان إلى بيروت، ومواقفه التي دفعت الكثيرين بالتشكيك بحصول لبنان على أموال «سيدر».

وفي السياق، وبحسب المحيطين أنفسهم، تأتي زيارة الحريري إلى العاصمة الفرنسية مع سلسلة عناوين تضج بها الساحة اللبنانية، ولها تأثيرها وانعكاساتها على مجريات الأوضاع السياسية والأمنية والإقتصادية والمالية، إن على صعيد صدور القرار الظني بمحاولة اغتيال واغتيال بعض الشخصيات اللبنانية، وما يمكن أن يترك ذلك من تردّدات وعودة إلى الإنقسامات الداخلية بين الأفرقاء المحليين، وإعادة الإصطفافات التي كانت سائدة في المرحلة السابقة، وبالتالي، التصعيد العسكري الذي حصل في الجنوب، وعودة الحديث في الداخل من قبل البعض عن قرار الحرب والسلم والإستراتيجية الدفاعية، فهذه المسائل لها تأثيرها على صعيد المجتمع الدولي، ولا سيما الدول المانحة، الأمر الذي سيسعى الرئيس الحريري إلى تبديده خلال لقائه مع ماكرون، في وقت أن الظروف الإستثنائية في الخليج، ولا سيما على الصعد الإقتصادية والمالية أيضاً سيكون لها تأثيرها، إضافة إلى تفتّت التحالفات التي كان ينسجها الحريري مع قوى سياسية حليفة، وفي طليعتها حزب «القوات اللبنانية»، فهذه المسائل أيضاً سيواجَه بها الحريري إن في باريس أو لدى أصدقاء لبنان والدول التي كانت داعمة لانتفاضة الرابع عشر من آذار.

وأخيراً، فالزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة إلى فرنسا، تعتبر في هذا التوقيت من الأهمية بمكان للإعتبارات والعناوين المشار إليها، وسيعوّل عليها كثيراً لإعادة ضخّ التفاؤل حول مؤتمر «سيدر»، ودعم المجتمع الدولي، ولا سيما باريس للبنان في مواجهة التحديات التي تجتازها المنطقة، إذ يعتقد البعض ممن لهم الخبرة السياسية بأن هذه الأحداث والتطورات في المنطقة سيكون لها التأثير المباشر على الدول المانحة لـ «سيدر»، بحيث ستعيد دراسة هذه المسألة ومقاربتها ربطاً بحسابات إقتصادية وسياسية، وعلى ضوئها سيتخذ القرار الحاسم في هذا الإطار.