تتعدد غايات فتح ملف المعابر غير الشرعية على الحدود اللبنانية السورية، ففي حين يسعى البعض لجعل الملف أولوية اقتصادية، يحاول آخرون استثمار الملف سياسيا من خلال الهجوم على حزب الله، والإيحاء بأن الحزب هو «الحامي» للتهريب، وهو من يمنع إقفال المعابر، ولكن واقع الملف وحقيقته يعكسان جهلا لدى هؤلاء، الى حد جعل أحدهم مرة ينفي وجود تداخل بالقرى الحدودية بين البلدين، الامر الذي تنفيه خرائط عادية لا تحتاج مجهودا للاطلاع عليها.

ينطلق مهاجمو حزب الله من تقرير ينص على وجود 136 معبرا غير شرعي على الحدود، وفي هذا السياق تكشف مصادر مطلعة أن هذا التقرير يعود للعام 2018، وقد أعدّه جهاز أمن الدولة، وعُرض على مجلس الدفاع الاعلى في جلسته المخصصة لبحث هذا الملف منذ أشهر، مشيرة الى أنه يتضمن إسم المعبر، ومكانه الجغرافي، وطبيعة الدخول والخروج عبره، ووضعه الحالي، مشددة على أن نسبة كبيرة من هذه المعابر مخصصة للسير على الاقدام أو لتنقل الحيوانات والدراجات النارية، وأن عددا منها أقفل منذ ما قبل إعداد التقرير وجاء في خانة وضعه الحالي «مقفل».

وتكشف المصادر أن المشكلة الأساسية في هذا التقرير كانت «تاريخه» فالأمور منذ 2018 الى اليوم اختلفت جذريا، وهو ما دفع بوزير الدفاع الياس بو صعب لعقد اجتماعات أمنية وعسكرية وتوضيح حقيقة الواقع اليوم، اذ تشير هذه الحقيقة الى أن لائحة امن الدولة للمعابر غير الشرعية لم تعد صالحة، خصوصا بعد الاتفاق على أن لا يُطلق إسم «المعبر» على النقاط المخصصة للسير على الأقدام والحيوانات، وبعد إجراءات الجيش اللبناني التي انطلقت بقوة بعد عملية فجر الجرود، والتي تم خلالها إنشاء 74 نقطة حدودية للجيش على الحدود، على شكل أبراج بالتعاون مع بريطانيا بشكل أساسي وغيرها من النقاط، مشيرة الى ان الواقع اليوم يشير الى وجود 8 الى 10 معابر غير شرعية فقط وفق التصنيف الجديد.

وتضيف المصادر: «في البقاع يوجد 3 معابر، أبرزها في الصويري قرب المصنع الحدودي ومخصصة لتهريب الأشخاص بشكل أساسي، وفي هذه النقاط يحاول الجيش جاهدا وضع حد للتهريب ونجح بمنع دخول 25 الف سوري خلال 3 سنوات، ولكن فيما يخص الإقتصاد الوطني بشكل مباشر فلا بد من التحدث عن المعابر التي تشهد تهريبا للبضائع».

يدخل لبنان بضائع مهربة، كالدخان، الثياب التي تأتي من تركيا الى لبنان عبر سوريا، والخضار وبعض المواد الغذائية، التي تحمّل على متن «بيك آب» ويتوقف داخل الأراضي السورية وتتولى فرق الدراجات النارية إدخال البضائع منه الى لبنان الامر الذي يحتاج وقتا قليلا لا يمكن لدورية الجيش أن توقفه بعد علمها به، وتقدّر قيمة التهريب بحوالي 75 مليون دولار سنويا على الأكثر، الامر الذي تراه المصادر مبلغا صغيرا مقارنة بالمبلغ الذي تخسره الخزينة العامة جراء التهريب والتهرّب من المرافىء والذي يقدر بحسب خبراء بحوالي مليار ونصف المليار دولار سنويا، مشيرة الى أن وزير الدفاع لم ينف يوما حصول عمليات تهريب على الحدود مع سوريا، ولكن قيمة التهريب لا تكسر ظهر الاقتصاد اللبناني كما يحاول البعض تصوريها، ربما لحماية التهريب الأكبر الذي يحصل في لبنان.

الاتهامات لحزب الله ولوزير الدفاع، بالدفاع عن المعابر غير الشرعية مع سوريا باطلة، وتدحضها الأرقام والادلة على الارض، والتي عرضها بو صعب أمام رئيس الحكومة ووزيرة الداخلية والمالية والأجهزة الامنية في السراي الحكومي في الاجتماع المخصص لهذه الغاية، حيث تكشف المصادر أن وزير الدفاع أكد تحمّل الجيش مسؤولية ضبط الحدود مع سوريا بحسب إمكاناته خصوصا أن الإقفال التام مستحيل، وإقفال ما بقي مفتوحا يحتاج الى عدة وعديد، وتواصل سياسي مع الاجهزة السورية، وبنفس الوقت سيدعو لبدء العمل الجدي لوقف التهريب والتهرب على المرافئ، الامر الذي أيده الجميع نظريا في لقاء السراي بانتظار التطبيق.

تؤكد المصادر أن الحريري أعطى توجيهاته في لقاء السراي الى الاجهزة الامنية والوزارات المعنية بمحاربة التهرب والتهريب، وأن وزير المالية بدأ بالفعل تطبيق قرارات جدية لضبط الأمور، وتفعيل الرقابة، ولكن بظل علم الجميع بوجود خسارة ضخمة على المرفأ، والأهم معرفة الجميع أيضا بتورط أمنيين، هل سينطلق العمل الجدي لوقف التهريب أم سيبقى الملف خاضعا للحسابات السياسية الضيقة؟

} اللقاء في السراي }

وكان حضر الاجتماع امس في القصر الحكومي وزيرة الداخلية والبلديات ريا الحسن، وزير المال علي حسن خليل، وزير الدفاع الياس بو صعب، قائد الجيش العماد جوزف عون، المدير العام الامن العام اللواء عباس ابراهيم، المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء عماد عثمان، المدير العام لامن الدولة اللواء طوني صليبا، الامين العام للمجلس الاعلى للدفاع اللواء محمود الاسمر، رئيس المجلس الاعلى للجمارك العميد اسعد طفيلي، المدير العام للجمارك بدري ضاهر وعدد من كبار الضباط، وتناول البحث مناقشة التهريب على الحدود والتدبير رقم 3.

بعد الاجتماع قال وزير الدفاع: «ان كل الاجهزة الامنية الموجودة اجمعت على ان عدد المعابر غير الشرعية والتي يجب ان نعمل عليها هو ما بين 8 و12 معبرا، من هنا لم يعد بالامكان الحديث عن 150 او 140 معبرا غير شرعي، لأن ذلك يشكل تضليلا للرأي العام، وقد تم اليوم حسم هذا الموضوع. كذلك ناقشنا الاجراءات التي يجب اتخاذها في هذه المعابر، وهناك عمل يجب ان تقوم به وزارة الدفاع وقيادة الجيش ووزارة الداخلية وشعبة المعلومات ووزارة المالية والجمارك والامن العام، لان وقف التهريب لا يقتصر على الحدود فقط. ان مهمة الجيش مثلا هي إقفال الحدود وليست ملاحقة المهربين الى الداخل اللبناني، وهذه من مهمات الجمارك.

اضاف: «كان هناك اجماع ايضا على ان الاغلبية الساحقة من البضائع المهربة تأتي عبر المعابر الشرعية، وبالتالي يجب معالجة هذه المعابر عبر ضبط الفساد ومحاسبة المهربين وملاحقة الشركات التي تقوم بعمليات التهريب، والمواطنين المتورطين، اكانوا من الاجهزة الامنية ام غيرها. واذا ثبت مساعدة عناصر من الاجهزة الامنية او علمهم او تسهيلهم عمليات التهريب فسوف تتم ملاحقتهم، وقد اجمعت الاجهزة الامنية على رفعها الغطاء عن ايٍ كان في هذا الموضوع».

وتابع: كذلك تطرقنا الى التدبير رقم 3 واتفقنا على عقد اجتماع بين وزيري الداخلية والدفاع وجميع قادة الاجهزة الامنية خلال اليومين المقبلين، على ان نعاود الاجتماع مع الرئيس الحريري يوم الاثنين المقبل ونقدم تصورا عن التدبير رقم 3، وهذا لا علاقة له بالموازنة المقبلة، وأبلغنا وزير المال انه لم يدرج في مشروع الموازنة الجديدة، اي بند يتعلق بهذا التدبير، ولكننا كنا قد التزمنا القيام بخطوات معينة في هذا الموضوع واليوم اكدنا ذلك».