والمصادر ايضاً الخبراء الصحافيون الثلاثة المرافقون لموفد الرئيس ماكرون الخبير الاقتصادي دوكان

سجّل ميزان المدفوعات في لبنان في الأشهر الستة الأولى من العام 2019 عجزًا بلغ 5.39 مليار دولار أميركي. هذا العجز يزيد من الضغط على احتياطات مصرف لبنان من العملات الصعبة ويفرض على السلطات النقدية القيام بعمليات مالية (هندسات مالية) لتعويض العجز وإعادة ميزان المدفوعات إلى التوازن تحت طائلة إنهيار الهيكل على من فيه!

يعود سبب العجز في ميزان المدفوعات إلى العجز في الميزان التجاري والذي سجّل عجزًا بقيمة 8.4 مليار دولار أميركي في النصف الأول من العام 2019. وتُشير الأرقام الى أن هذا العجز تراوح بين 16 و19 مليار دولار أميركي سنويًا في الأعوام 2011 إلى 2018. أمّا سبب العجز في الميزان التجاري فيعود إلى ضعف الإستثمارات في القطاعين الأولي والثانوي (أي بما معناه الزراعة والصناعة) إذ تركّزت وتتركز الاستثمارات في لبنان على قطاع الخدمات عملا بمبدأ أن الخدمات لا تحتاج إلى رأسمال كبير وأن الوقت للبدء بتحصيل العائدات أسرع (payback). وقد أشار تقرير البنك الدولي الذي صدر في 15 تشرين الأول 2017 إلى أن لبنان وخلال الأعوام 2007 إلى 2010، قام بالاستثمار في قطاعات ذات قيمة مضافة منخفضة في الاقتصاد (بالإشارة إلى قطاع الخدمات) بدل الاستثمار في قطاعات ذات قيمة مُضافة عالية (بالإشارة إلى الزراعة والصناعة).

وهنالك رقم خسارة في قطاع الصناعة والزراعة هو مليار و600 مليون دولار ولا احد يجرؤ على اعلان هذا الرقم ورقم خسارة الزراعة في لبنان جاء من منظمة الفاو الزراعية بعد دراسة استمرت ثمانية اشهر من اكبر منظمة زراعية في العالم تابعة للأمم المتحدة. اما الصناعة التي يستطيع لبنان تصدير ما بين 800 مليون ومليار دولار من البضائع الصناعية ذات الصناعة الخفيفة والمتوسطة وأيضا المواد الغذائية والمشروبات خاصة الخمر أي النبيذ، فقد هبطت الى 120 مليون دولار، لذلك خسر قطاع الزراعة والصناعة مليار و600 مليون دولار ولا احد يجرؤ على اعلان هذا الخبر.

صدمة موفد الرئيس الفرنسي ماكرون دوكان من عجز الكهرباء

الموفد الفرنسي دوكان الذي ارسله الرئيس الفرنسي ماكرون لدراسة الوضع الاقتصادي في لبنان، أصيب بصدمة حينما رأى عجز الكهرباء في لبنان ومعالجة هذا القطاع. وقال لمسؤول كبير كيف تدفعون ملياري دولار لباخرتين تركيتين للحصول على اربع او خمس ساعات كهرباء وليس لكل الأراضي اللبنانية وكيف تخسرون مليار دولار في معمل دير عمار الذي لا يساوي شيئاً ويجب ازالته، وان تلزيمه مؤخرا بـ 675 مليون دولار هو اكبر فضيحة لأن التلزيم هو سياسي بحت وليس تقنياً وعلمياً، وان هذا المبلغ يمكن شراء فيه معمل كهرباء يعطي الف ميغاواط، أي محافظة الشمال كلها وصولا الى منطقة جبيل.

كما أصيب بصدمة في كيفية تلزيم نجل تحسين خياط صيانة توربين عادي بقيمة 890 مليون يورو، مع ان الصيانة لا تكلف اكثر من 20 مليون يورو. كما أصيب بصدمة في كيفية تشغيل معمل الذوق الكهربائي الذي يحتاج الى 250 مليون دولار، وعندئذ يمكنه إعطاء الفي ميغاواط، أي طاقة لبنان بنسبة 85% ولا احد يهتم به. وقال هذه المعلومات لثلاثة من الصحافيين الفرنسيين الاقتصاديين الذين يرافقونه واجتمعنا معهم في فندق Hotel De Ville الفرنسي واخبرونا انطباع موفد الرئيس الفرنسي ماكرون عن الوضع الاقتصادي في لبنان، وبخاصة عجز الزراعة والصناعة والكهرباء

كما أصيب بصدمة ان ميزان المدفوعات في لبنان خسر 5 مليارات و 300 مليون دولار في شهر، وهذا اضعف مصرف لبنان المركزي للدفاع عن الليرة اللبنانية. وقال سأرفع تقريراً الى الرئيس الفرنسي ماكرون اتحفظ فيه عن دفع أموال «سيدر-1» وهي 11 مليار ونصف مليار دولار دون صرف 250 مليون دولار على معمل الذوق الكهربائي ودون الغاء تلزيم معمل دير عمار الكهربائي ودون تخصيص 400 مليون دولار للمزارعين اللبنانيين على كامل الأراضي اللبنانية، لأن المبلغ سيعطي 800 مليون دولار، أي 400 مليون دولار ربحاً. كما سيطلب اعفاء كل المعامل اللبنانية من فواتير الكهرباء وعدم وضع ضرائب على البضائع التي تستوردها الصناعة اللبنانية.

اما مرفأ بيروت ومطار بيروت فيجب جمعهما بين ملكية الدولة وملكية افراد وشركات، أي نصف خصخصة، كذلك شركات الخليوي. وهذا سيعطي لبنان 35 مليار دولار على الأقل مدخولاً مع بقاء ضريبة الربح على مرفأ بيروت ومطار بيروت ومرفأ طرابلس ومرفأ صيدا. وانه يجب صرف ملياري دولار ونصف مليار لتوسيع كل طرقات لبنان وجعلها أوتوسترادات شرط التلزيم بمناقصات دولية كي تكون الاتوسترادات ذات معيار دولي بعرض كل طريق من الاتوستراد 40 متراً، أضافة الى توسيع طرقات من بيروت الى الشمال والمشروع لا يكلف اكثر من مليار دولار ونصف مليار اذا لم تحصل سمسرات فيها ويجب رفع يد وزارة الاشغال عنها ومجلس الانماء والاعمار وإقامة إدارة خاصة لتلزيم المشاريع والاوتسترادات والطرقات.

اما بشأن شركة سوليدير التي تعتبر اكبر شركة بقيمتها المالية، فيجب فتح بيع الأسهم امام الناس وعدم حصرها بعائلة الحريري التي تحصل على 80 % من الأسهم وتخفيها، وهي اسهم اسمية لا يمكن تداولها في البورصة، ويقدر سعر سوليدير بـ 380 مليار دولار مع الردم الذي حصل في النورماندي. كما انه يجب زيادة الضريبة على الأملاك البحرية غير المقبولة كما هي الآن ولا تعطي الا 110 مليون دولار بينما طول الشاطئ اللبناني 230 كلم اذا تم فرض ضريبة على الأملاك البحرية فتكون الإيرادات حوالى 3 مليارات و 400 مليون دولار.

وأخيرا تعجب الصحافيون الفرنسيون المتخصصون في الاقتصاد من ان لبنان عليه عجز 6 مليارات دولار في السنة، في حين يمكن ان يكون لديه وفر في الموازنة 16 مليار دولار زيادة عن موازنته ومداخيله. وان لبنان اذا لم يأخذ بملاحظات الرئيس الفرنسي ماكرون وخبراء سيدر-1 والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والأمانة العامة لمؤتمر سيدر-1 وصرف الأموال والاشراف على كيفية توزيع الأموال من خلال امانة عامة تكون برئاسة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، فإن فرنسا ستسحب يدها ولن تساعد لبنان وتتركه يغرق كما حصل في اليونان من افلاس واسبانيا ولتتحمل الطبقة السياسية من الرئيس عون وبري والحريري المسؤولية.

مقاربة النمو الإقتصادي

هناك مقاربتان للنمو الاقتصادي: الأولى تنتمي إلى المدرسة «الكلاسيكية الجديدة» وتعتمد على وظيفة الإنتاج والعمالة الكاملة، والثانية تنتمي إلى المدرسة «الكينزية» وتعتمد على القيود في ميزان المدّفوعات حيث من المُمكن أن يكون الإنتاج فيها أقلّ من العمالة الكاملة.

الإنتقال من البحث في التغييرات في مستوى الإنتاج إلى البحث في معدل النمو، يُعطي دورا أساسيا لميزان المدفوعات، وهذا هو الحال في لبنان حيث لم تعدّ السياسات الحكومية تنظر إلى الماكينة الإنتاجية وعواملها بل إلى نسب النموّ المُحقّقة. من هذا المُنطلق، يُطرح السؤال الأساسي عن العلاقة بين ميزان المدفوعات والنمو الاقتصادي؟

المنطق الاقتصادي يفرض أنه لا يمكن لدولة ما أن تستمر في الاقتراض إلى ما لا نهاية، وهو سبب أساسي في التعثّر في سداد الديون. والاستدانة تأتي من منطلق أنه في بلد معيّن يستورد أكثر مما يُصدّر (خدمات وسلع)، يتمّ تمّويل الفارق من خلال الاستدانة، وهذا الأمر لا يُمكن أن يكون مُستداما تحت طائلة الإفلاس. لذا هناك إلزامية لوجود آلية مُعيّنة تجعل نمو الصادرات ونمو الواردات متساويين.

يطرح البعض وبخاصة من المدرسة الكينزية، طريقة لخفض الاستيراد وزيادة الصادرات. وهذه الطريقة تنص على خفض قيمة العملة الوطنية لمصلحة عملات الدول حيث «الشراكة» اللقتصادية كبيرة. وبحسب النظرية، التغيّرات في سعر الصرف الحقيقي الاسمي تكون قصيرة الأجل بسبب الانتقال السريع لمستوى أسعار الاستيراد إلى الاقتصاد المحلّي ومقاومة الأجور الحقيقية في ظل مرونة أسعار منخفضة خصوصا للمواد الأولية (Marshall-Lerner). وتفرض هذه الطريقة عددا من القيود على رأسها امتلاك ماكينة اقتصادية قوية (حالة الولايات المُتحدة الأميركية، الصين، الاتحاد الأوروبي) مما يسمح للدولة المعنية بزيادة التنفاسية على صادراتها. بمعنى أخر، تفقد هذه الطريقة أهميتها في ظلّ ضعف في الماكينة الاقتصادية حيث تتطلب زيادة نمو الصادرات (أو خفض الواردات) انخفاض كبير في سعر الصرف وهو ما يؤدّي إلى ضربة اجتماعية كارثية خصوصا إذا ما كان هناك استدانة بالعملة الأجنبية من قبل القطاع الخاص! لذا يُقال انه في ظل اقتصادات ضعيفة هذه العملية غير فعّالة بل قد تكون كارثية ويعمد العديد من البلدان إلى استبدالها بسياسة حمائية (حالة كوريا الجنوبية بعد الحرب).

علاقة مباشرة

يرتبط ميزان المدفوعات مباشرة بالفارق بين الاستيراد والتصدير وذلك في ظل فرضية وجود استثمار أجنبي مباشر ثابت. وتُترجم زيادة الاستثمارات في الاقتصاد بارتفاع النموّ الاقتصادي، مما يعني زيادة في الصادرات أعلى من الزيادة في الاستيراد، وبالتالي يُسجّل ميزان المدّفوعات فائضا.

في المقابل، إذا انخفض النموّ الاقتصادي، فهذا يعني أن الماكينة الإنتاجية لم تعدّ تُلبّي الطلب الداخلي الذي يزيد على البضائع الأجنبية، وبالتالي ترتفع الواردات أكثر من ارتفاع الصادرات، مما يعني تراجعا في ميزان المدفوعات إلى حدّ تسجيل عجز.

وهذا يقودنا إلى الاستنتاج أن ميزان المدفوعات يتعلّق مباشرة بالنموّ الاقتصادي، وهو ما تمّ إثباته في حالة لبنان حيث نرى أن هناك علاقة وطيدة بين الاثنين (انظر إلى الرسم البياني) مع فارق في العام 2016 ناتج من الهندسة المالية التي قام بها مصرف لبنان لتفادي عجز كبير في ميزان المدفوعات تمّ تسجيله في العام 2015 (3.35 مليار دولار أميركي) وانتهت بتسجيل فائض في ميزان المدفوعات بقيمة 1.24 مليار دولار أميركي. الجدير ذكره أن تقرير البنك الدولي (تشرين الأول 2015) أشاد بهذه العملية عبر قوله انها أنقذت لبنان.

قيود ميزان المدفوعات

يقول الاقتصادي «Thirlwall» ان أنه لا يمكن لأي بلد أن ينمو بوتيرة أسرع من المعدل المتناسق مع توازن ميزان المدفوعات، إلا إذا كان بإمكانه تمويل العجز المتزايد باستمرار وهو ما لا يستطيع القيام به عمومًا. من هنا نرى أن الأسواق المالية تأخذ الحذر من الدول التي يتخطّى فيها مستوى الدين العام إلى الناتج المحلّي الـ 60% مع بعض الاستثناءات التي تطال دوّل ذات الماكينات الإقتصادية القوية (اليابان مثلا).

وبالتالي النمو الاقتصادي في أي بلد مُقيّد بميزان المدفوعات إذا كان معدل النمو المتناسق مع توازن الحساب الجاري (أو النمو المستدام للاقتراض الخارجي) أقل من الحد الأقصى لنمو الاقتصاد الذي يحدده النمو الأقصى لعوامل العرض (نمو القوى العاملة، معدل تراكم رأس المال، معدل التقدم التقني). والآلية التي تُستخدّم لجعل نمو الصادرات ونمو الواردات متساويين تنبع من القيود الآنفة الذكر والتي يُمكن ترجمتها بالمُعادلة التالية (قيود ميزان المدفوعات): نمو الصادرات + نمو صافي التدفقات المالية = نمو الواردات. إذا نرى مما سبق أنه في حال كان نمو الواردات أكبر من نمو الصادرات، يتراكم صافي الدين الخارجي، وهذا ما لا يُمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية!

الجدير ذكره أن الصادرات تتأثر بعوامل الإنتاج وبالنمو الاقتصادي للدول الخارجية، في حين أن الاستيراد يتعلّق بعوامل الإنتاج وبالنمو الاقتصادي المحلّي.

عمليا ما يجب القيام به

بعيدًا عن النظرية الاقتصادية وتعقيداتها، هناك عدد من الخطوات الواجب القيام بها للخروج من هذا المأزق الذي يعيش فيه لبنان. هذه الخطوات تتمثّل بتقوية القطاع الإنتاجي بشقيه الأوّلي والثانوي:

أولا - زيادة الاستثمارات الداخلية والاستثمارات الأجنبية المباشرة وذلك من خلال سياسات تحفيزية، ضريبية بالدرجة الأولى، ولكن أيضا إدارية وقانونية... حيث يجب أن تبدأ هذه الاستثمارات في البنى التحتية (مشاريع سيدر)؛

ثانيا - فرض سياسة حمائية كبيرة تصل فيها الرسوم الجمركية على بعض السلع والبضائع إلى أكثر من 100%؛

ثالثًا - خلق مدن صناعية مملوكة من الدولة أو من القطاع الخاص (شرط خفض الكلفة على المُستأجر) تسمح بالدرجة الأولى بتلبية الطلب الداخلي ولكن أيضا خلق تخصّص للاقتصاد اللبناني بهدف زيادة الصادرات؛

رابعا - إعطاء القطاع الزراعي حقّه والتوقّف عن القول ان لبنان يفتقر إلى الأراضي الصالحة للزراعة... هذا الأمر يمرّ عبر البدء بزراعة ما نستورده (مثل القمح) وتأهيل أنظمة الري وتحديثها وخلق أسواق خارجية إن إلى الدول العربية أو الأوروبية أو دول المركوسور.

خامسا - كسر الاحتكارات للبضائع المُستوردة التي لا يُنتج مثلها لبنان مما يسمح بخفض الأسعار وبالتالي خفض كلفة الاستيراد على المواطن الذي سيستخدم حكما الفائض المُحقق في استهلاك داخلي (الرفاهية...).

سادسا - وهو الأهم، محاربة الفساد الذي يُدخل الخلل إلى اللعبة الاقتصادية من خلال رفع الكلفة على الشركات وتركيز الثروات وبالتالي خفض الاستهلاك كما وضرب الشركات التي لا تدخل في لعبة الفساد عبر حرمانها الاشتراك في اللعبة الاقتصادية. أيضا لا يخفى على أحد الضرر الكبير على المالية العامة.

في الختام، نعتقد أنه لم يعد أمام الحكومة اللبنانية خيارات إلا اعتماد النهج العلمي في معالجة الوضع الحالي. وبالتالي يتوقّع المواطن أن تكون إجراءات الحكومة على مقدار تطلّعاته لإعفائه من أتون الوصاية الصندوقية وما ستُخلّفه من ضرر اجتماعي.