تتعدد الروايات حول تأجيل زيارة رئيس حزب القوات سمير جعجع الى الجبل، ولكن بغض النظر عن الرواية الحقيقية التي تبرر الظروف الطارئة التي تحدث عنها مسؤولو «القوات»، تبقى «السياسة» سبب التأجيل الاول والأهم، وخصوصا أن الاحداث السياسية التي حصلت أمس تؤكد هذا التوجه. رئيس حزب القوات تلقى صدمات كبيرة يوم السبت.

معلوم أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط خارج لبنان، ولكن نجله تيمور بات يحلّ مكانه في الجبل، وكان من الطبيعي أن يكون في استقبال «الحكيم» الذي يعاني في المرحلة الحالية من نقص في الحلفاء. إنما ما حصل أمس هو توجه تيمور الى اللقلوق للقاء رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في خطوة صادمة للمتابعين الذين لم يكونوا على علم بوجود موعد مماثل، الأمر الذي اذا ما وُضع الى جانب لقاء الحزب الاشتراكي وحزب الله في عين التينة، يعني بقاء القوات اللبنانية وحيدة في ميدان السياسة اللبنانية.

منذ أشهر انتهجت القوات اللبنانية سياسة الهجوم على جبران باسيل، ومن خلفه العهد، ومن ثم أصبح هجومها على رئيس الجمهورية واضحا اكثر في الأسابيع الماضية، الامر الذي تراه مصادر قيادية في التيار الوطني الحر مكشوف الهدف، فالقوات لا تريد للعهد أن ينجح لان فشله يعني فشل الوطني الحر معه وبالتالي فشل باسيل، كاشفة أن مسؤولي القوات يتحركون بناء على أمر عمليّات موحّد لم يعد خافيا على أحد.

وترى مصادر الوطني الحر أن سياسة القوات التي أثبتت فشلها منذ العام 2005 لا تزال هي نفسها، وتقوم على الرهان على قوى خارجية، أثبتت الوقائع مرارا عدم قدرتها على فرض شروطها على الداخل اللبناني، وهي إن استطاعت «التعطيل» أحيانا، الا أنها لا تستطيع التغيير، وهذا ما اقتنع به حلفاء القوات في 14 آذار ومنهم وليد جنبلاط وسعد الحريري، ولم يقتنع به سمير جعجع.

لا شكّ أن جنبلاط يعلم مصلحته ومصلحة الدروز جيدا، فهو يملك بعد نظر بالسياسة، لذلك نراه على طاولة المصارحة في بعبدا، ونرى حزبه في لقاء المصالحة في عين التينة، ونرى نجله في ضيافة باسيل في اللقلوق. وفي هذا السياق تؤكد مصادر الوطني الحر أن التسوية الرئاسية مع الحريري والمصالحة مع التقدمي الاشتراكي يصبان في الهدف نفسه وهو حماية الاستقرار الداخلي، والأمر سينعكس إيجابا على طاولة مجلس الوزراء.

وفي سياق الحديث عن الحكومة، ترى مصادر وزارية أن الضربة السياسية القوية التي تعرّض لها جعجع لم تنته، بل هي مستمرة من خلال التعيينات المقبلة، سواء في وزارة العدل أو غيرها، مشيرة الى أن سياسة جعجع جعلت الاستفراد به ممكنا حسب مصادر التيار الوطني الحر، وهنا الاستفراد لا يأتي في سياق سلبي. وتضيف المصادر: «بات واضحا لدى جعجع أن حلفاءه القدامى باتوا في غير مكان، ومن كان يدعمه على طاولة مجلس الوزراء سابقا لن يتمكن من ذلك حاليا، وتجربة تعيينات اعضاء المجلس الدستوري لا تزال حيّة في ذهن «الحكيم»، لذلك بات لزاما على القوات أن تفكّر في سياستها، وتتوقف عن رهاناتها، خصوصا الرهان الأخير على الولايات المتحدة الاميركية وصفقة القرن التي يظن جعجع انها محققة لا محال.

تعتبر المصادر أن كل ما تقوم به القوات اللبنانية يأتي في سياق الحرب الرئاسية المقبلة، لذلك فإن جعجع لن يتراجع بسهولة، وما نشهده من صدامات سياسية اليوم سيزداد، وستكون البداية من ملف التعيينات، لأن الوجود في الإدارة يمنح القوة، وهذا بالتحديد ما سيحصل عليه جنبلاط بعد مصالحاته الحالية، اذ ستعود النسبة الكبرى من الحصة الدرزية اليه.