يُقدّم لبنان في كلّ فترة تسهيلات عدّة للنازحين السوريين لتسجيل الولادات الحديثة، إذ يتعيّن عليهم القيام بذلك في غضون عام من تاريخ ولادة كلّ مولود جديد. وقد قام بإلغاء المهلة الزمنية الممتدة على مدى سنة للمولودين من العائلات السورية النازحة في لبنان بين كانون الثاني 2011 وحتى شباط 2018، لكي يتيح لأهاليهم تسجيلهم من دون الحاجة الى الذهاب الى المحكمة. وكون إجراءات المحاكم مكلفة ومعقّدة بالنسبة للعائلات الفقيرة ولا تستطيع تحمّل أعبائها، فقد جرى تسهيل معاملات التسجيل بالإكتفاء بورقة من الطبيب أو القابلة أو من مختار البلدة في مكان إقامة العائلة النازحة. على أنّ القرار الأخير الذي اتخذه مجلس الوزراء خلال جلسته ما قبل الأخيرة بتكليف وزارة الداخلية إلزام المخاتير والمستشفيات على الأراضي اللبنانية كافة، فضلاً عن مفوضية اللاجئين بضرورة إبلاغ الوزارة عن كلّ مولود سوري ليُصار الى تسجيل ولادته، على أن تتولّى الخارجية بدورها إبلاغ السلطات السورية بجميع الولادات، أتى بهدف التخفيف من مخاطر تفاقم عدد اللاجئين من دون أوراق ثبوتية على الأراضي اللبنانية. فهل يُساعد هذا القرار في حلّ مشكلة التضارب في أرقام عدد الولادات السورية، وهل سيتمّ فعلاً تطبيقه من قبل المعنيين والنازحين؟!

رغم التسهيلات التي تقدّمها الحكومة اللبنانية، يبقى عدد كبير من الأطفال الحديثي الولادة من النازحين السوريين من دون تسجيل من قبل أهاليهم، على ما أكّدت مصادر سياسية مطّلعة، في الوقت الذي كان لبنان يعتقد بأنّ هذه الإجراءات ستتيح تسجيل أكثر من 100 ألف طفل سوري من غير المسجّلين حتى الآن. وقد أظهرت دراسة أجرتها الأمم المتحدة في هذا الخصوص في العام 2017، أنّ 17 % فقط من اللاجئين السوريين دون سنّ الخامسة سُجّلت ولاداتهم في الدوائر اللبنانية المختصّة، فيما النسبة الباقية أي 83 % تبقى «ضائعة».

وأكّدت أنّ عدم إقدام العائلات النازحة على تسجيل أطفالها المولودين حديثاً في لبنان خلال فترة النزوح يعود لسببين: الأول، ناتج من عدم توافر الأوراق الثبوتية في أحيانٍ كثيرة حتى مع الأهالي لاعتبارات عدّة، من بينها مغادرة بلادهم على غفلة من دون أخذها معهم، والثاني، يعود الى تعمّد بعض العائلات عدم تسجيل أطفالهم لإطالة فترة بقائهم في لبنان وحصولهم بالتالي على الجنسية اللبنانية، كونها على عِلم بأنّ عدم التسجيل يجعل من الصعب لا بل من المستحيل عليها العودة الى بلادها برفقة أولاد لا يملكون شهادات ولادة أو وثائق قانونية تُثبت صلتهم بها، وتمكّنهم بالتالي من عبور الحدود اللبنانية- السورية. في المقابل، ثمّة فئة أخرى من النازحين السوريين يهمّها تسجيل أولادها، كونها تحصل على حجم أكبر من المساعدات الإنسانية كلّما ازداد عدد أفرادها.

وهذا الوضع سيخلق جيلاً من الأطفال السوريين «المكتومي القيد»، على ما عقّبت المصادر نفسها، وقد وصل عدد هذا الجيل الى أكثر من مليون طفل في البلدان المستضيفة للنازحين واللاجئين في دول المنطقة والعالم، من ضمنه أكثر من 100 ألف طفل سوري غير مسجّل في لبنان. فعدد المسجّلين لدى المفوضية يبلغ 57 ألف فقط لأنّ التسجيل توقّف في العام 2015 بقرار حكومي، ولدى الداخلية 84 ألفاً، فيما لم يصل منهم الى الخارجية سوى 26 ألفاً. علماً أنّ عدم التسجيل يمنع هؤلاء الأطفال النازحين من التمتّع بحقوقهم الطبيعية من تعليم وخدمات واستشفاء وغيرها، كما يفقدهم القدرة على حرية التنقّل أو السفر أو حتى العودة الى بلادهم من دون امتلاك وثائق ثبوتية.

وكشفت أنّ هناك حالياً أكثر من 188 ألف ولادة لأطفال من النازحين السوريين كون هذا العدد أُحصي ما بين كانون الثاني من العام 2011 وحتى حزيران من العام الحالي (2019)، فيما لم يتمّ إحصاء شهري تمّوز وآب المنصرمين. علماً أنّ غالبية العائلات النازحة تلجأ عادة الى القابلات وليس الى المستشفيات للولادة، وبإمكان أي منها إخفاء أمر طفلها الحديث الولادة، إذا ما شاءت ذلك. وهذا الأمر يُصعّب على الحكومة إمكانية معرفة الأرقام الدقيقة للولادات السورية على أراضيها إلاّ إذا قامت الحكومة بفرض الرسوم أو أي صيغة أخرى على كلّ نازح سوري يعمد الى عدم تسجيل مولوده الحديث في لبنان، أو وضعت إجراءات معيّنة لتشجيع النازحين السوريين على تسجيل الولادات الحديثة.