في ظلّ النزوح الكبير الذي تشهده الضيع والقرى اللبنانيّة باتّجاه المدن الساحليّة والعاصمة بيروت، بقي القلائل ممّن تشبّثوا بأراضيهم وسعوا لتأمين اكتفائهم الذاتيّ ضمن حدود قراهم.

ولكن حتّى هؤلاء القلائل يبدو انّهم الى انحسار، خصوصاً في ظلّ ما يجري حاليّاً من تشويه للقرى والضيع والبيئة بحجّة بناء منشآت صناعيّة غير قانونيّة وغير حاصلة على الرخص المطلوبة، وآخرها في منطقة جزّين التي تُعاني الأمرّين من جرّاء كلّ المعامل والمجابل المتواجدة.

وفي اتّصال مع السيّد فادي رومانوس، نائب رئيس اتّحاد بلديات جزين، ورئيس بلدية لبعا منذ ثلاث سنوات، أوضح لنا أنّه تابع هذا الملف منذ وصوله الى رئاسة البلديّة، ولم يترك جهة سياسيّة إلا وقصدها، كما استحصل بعد معاناة ثلاث سنوات على قرار من وزارة البيئة بضرورة اقفال مجبل الباطون في منطقة مراح الحباس العائد للسيّد م.ش، لعدّة أسباب أوّلها أنّه قد تمّ إنشاؤه منذ 7 سنوات على تلاقي وديان وأنهر، وبطريقة غبر شرعية فلم يستحصل على دراسة الأثر البيئي قبل انشائه، كما أنّ المنطقة التي أنشئ فيها تدخل في تصنيف المناطق الزراعيّة، ولا تدخل في تصنيف المناطق الصناعيّة.

رومانوس الذي أشار الى انّهم سبق وتقدّموا بشكوى، شكر للنائبين زياد أسود وسليم الخوري متابعتهما لتعديات باهتمام بالغ، ودفاعهما عن أهالي المنطقة. واستنكر في المقابل الصمت المطبق للفعاليات الاخرى، ويسأل رومانوس أين هم من القرار الصادر عن وزير البيئة فادي جريصاتي، القاضي بتوقيف و بتفكيك مجبل لبعا، علماً أنّهم ينتميان لنفس الخطّ السياسي الذي ينتمي إليه جريصاتي.

يذكر رومانوس أنّ النائب زياد أسود تمكّن من استصدار قرار من مجلس شورى الدولة بضرورة إيقاف الكسارة، ويعتبر أنّ أسود دحض من خلال هذا القرار القضائي كلّ الشائعات التي تلطّى خلفها مرجعية بلدية لسنوات، لكي لا يكلّف محامياً لزوم وقف تعديات الشماع.

كما ابدى رومانوس أسفه على كيفيّة تعاطي الجهة السياسية الداعمة للمجبل تجاه الملفّ لجهة تحويره عن مساره المنطقي والطبيعي والبيئيّ الى مسار دينيّ طائفيّ.

وفي حين لفت رومانوس الى وجود مصالح سياسيّة متداخلة في الملفّ، نفى ما يُشاع عن خلفيّة طائفيّة دينيّة له. ولم يستبعد الا يُصار الى اقفال المجبل من قبل وزارة الصناعة مضيفاً: « الوزير وائل بو فاعور لم يأخذ قرار الإقفال منذ شهر ونصف رغم قرار وزير البيئة الذي جاء فيه أنّ المجبل غير مستوفٍ للشروط البيئيّة المطلوبة. ونحن سوف نستعمل كل الأساليب القانونية المتاحة لنا، وسوف نقاضي كل الذين تلكّؤوا في اتّخاذ قرارات وامتنعوا عن المدافعة عن صحّتنا وقرانا، لأنّ الأضرار تحتاج الى زمن طويل لإزالة آثارها. وشرح أنّه في فصل الشتاء تختلط المواد الصناعيّة مع التربة وتنجرف الى القرى المجاورة ممّا يُشكّل خطراً على كلّ المياه الجوفية والمحاصيل الزراعية.

وفي إطار حديثه عن الخطوات القادمة، قال رومانوس إنّ غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي سوف يزور المنطقة السبت المقبل، وأهالي المنطقة بصدد التحضير لتجمّع شعبي بالتزامن مع هذه الزيارة، للمطالبة بتدخّل غبطته وإيقاف المشروع.

وناشد رومانوس النائب تيمور جنبلاط متابعة الملف وأخذ الأضرار البيئية والصحية الجسيمة الناتجة عن هذا المجبل والمستمرّة منذ 7 سنوات بعين الاعتبار.

أمّا النائب زياد أسود فأشار الى أنّ المخالفات كثيرة، وارتُكبت بمعرفة وعلم عدة جهات ووزارات، وليس فقط وزارة الصناعة، ومنها مقالع وكسارات استكملت أعمالها بدون رخص على مدى سنوات بحجة الامر الواقع وبحجّة تزويد مشاريع الدولة اللبنانية بالمواد، وعلى هذا الأساس تمّت تغطيتها بمهل اداريّة وبغطاء سياسي من «مرجعية سياسية» لأنّ المعنيّين مقرّبين منه.

واستمرّ العمل بهذه الطريقة لسنوات عديدة رغم الاضرار الجسيمة التي نتجت على الطبيعة والجبال، ولم يحرّك أحد ساكناً. وكان ابتدأ العمل بمجبل واحد وانتقل لاحقاً الى عدّة مجابل على مساحات اكبر من المسموح بها، واكثر ممّا هو بحاجة لها، وامتدّت الى الأنهر والمجاري المائية.

وأضاف أسود أنّ الحجّة لدى وزارة الصناعة كانت انّهم لا يُمكنهم اقفال كلّ المعامل والكسّارات، بل يقومون بإعطاء إنذارات لتصحيح الوضع وهم يعلمون انّ هذه الإنذارات شكليّة لأن هناك استحالة لتصحيح الوضع في ظلّ التمادي بالمخالفات والخروج عن الرخص.

واستنكر النائب الجزينيّ النفس الطائفي الذي يُدافع به البعض عن مجبل الكسارة، وشدّد على أنّ متابعته للملفّ قضائياً هو من باب إحقاق الحقّ في منطقته. وقال: «جلست مع صاحب المجبل والكسارة في لقاء تمّ بواسطة أحد الأصدقاء المشتركين منذ سنتين واسمه أبو عامر، لأجل إيقاف العمل بالكسارة وحصره بمجبل الباطون مع تصحيح وضع المجبل وقد وعدنا خيراً، ولكنه لم يلتزم.

وعندما ارسلنا له إنذاراً، عقد مؤتمراً صحفياً في صيدا، وحرّض علينا بكلام طائفي ومذهبي مقيت. كما أنّه أخفى عن أهل المنطقة أنّه جرى لقاء بيني وبينه سابقاً وتخلّف عن تصحيح الموضوع، وتلحّف في حينها بغطاء سياسي وآخر أمني.

وتابع أسود أنّهم اعتادوا أن يسمعوا اصواتاً تتهمهم بالطائفيّة، وكلّ حجة طائفية ومذهبية مردودة لأصحابها. وأضاف: «الطائفية أداة لتخويفنا وثنينا عن المطالبة بحقوقنا، وليست المرة الأولى التي اتعرّض فيها لهكذا حملة ولن تكون الأخيرة، وأنا أتحمّل تبعات مطالبتي بحقوق أبناء منطقتي في هذا الجو الرديء».

وفي اتّصال لنا مع وزير الصناعة وائل أبو فاعور أوضح أنّ الموضوع البيئيّ هو من أولويّاته وهو يتابع ملفّ المعامل في كلّ المناطق خصوصاً في منطقة جزّين، وأشار الى أنّ الترخيص أُعطي في العام 2013 وليس على عهده، وأضاف: «المعمل المذكور كان قد بدأ العمل فيه حتّى قبل إعطاء ترخيص، لأنّ صاحبه مدعوم. ونحن ارسلنا فريقاً للكشف، وقد وضع عدداً من الارشادات البيئيّة من ضمنها المعمل المذكور كما طلبنا منه ان يُعيد تجليل الأرض التابعة للكسّارة والمتوقّفة عن العمل منذ وقت طويل».

وقال أبو فاعور انّ المعامل المخالفة تُشكّل ما يُقارب نصف المعامل المتواجدة على الأراضي اللبنانيّة، ولذلك سيُصار الى مراقبة عملها الحالي واتّخاذ الإجراءات التي قد تصل الى حدّ الاقفال في حال لم يتمّ الالتزام بالإرشادات.