استوقفت الحملة التي تعرّض لها رئيس الحكومة سعد الحريري أوساطاً ديبلوماسية غربية، إذ رأت فيها ملامح سياسية واضحة، خصوصاً وأن رئيس الحكومة تحدّث في واشنطن عن ثلاث ثوابت أساسية، وهو ما أدى إلى ردود فعل سلبية تناولت زيارته ومواقفه، وذلك من قبل بعض الأطراف اللبنانية. وحدّدت الأوساط الثوابت بثلاث:

ـ أولها: تأكيده على الموقف السياسي اللبناني، وعلى دعم الولايات المتحدة الأميركية لحكومته ولدوره وموقعه.

ـ ثانيها: التنويه الأميركي بمؤسّستين تدعمهما واشنطن، هما الجيش اللبناني ومصرف لبنان، انطلاقاً من كون الموضوعين المالي والعسكري يشكلان أبرز عوامل الإستقرار الذي يريده واشنطن والمجتمع الغربي.

ـ وثالثها: أن واشنطن حريصة على ترسيم الحدود البحرية والبرية وإقفال هذا الملف، وبالتالي، من الواضح أن الحملة على الحريري أتت على خلفية الترسيم بشكل خاص.

وقالت الأوساط نفسها، أن الحملة الإستباقية ركّزت على قطع الطريق على أي دخول لأي فريق على خط ملف الترسيم، لا سيما في ضوء ما رشح عن بعض لقاءات واشنطن بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب مستعجلة على إقفال هذا الملف في أقرب فرصة ممكنة. ولاحظت أن فريقاً أساسياً على الساحة الداخلية لا يزال يعارض الدخول في أي خطوات عملية تؤدي إلى ترسيم الحدود بالشكل الذي تطرحه الولايات المتحدة، والتي تنحاز بالكامل إلى مقاربة العدو الاسرائىلي على هذا المستوى. واعتبرت أن حزب الله يعارض الترسيم، ولكنه لا يعلن عن هذا الموقف، كون أي إعلان من هذا النوع سيفتح الباب أمام تصعيد أميركي جديد وضغط وعقوبات تؤثّر ف الحزب وفي لبنان، ولذلك فهو سيبقى على موقفه ما بين الرافض من دون الإعلان، وذلك من أجل الإبقاء على الوضع على ما هو عليه، في حين أن الولايات المتحدة تضع عملية الترسيم من ضمن استراتيجيتها الجديدة في المنطقة، وتحديداً مقاربتها للعلاقات مع عواصم القرار الإقليمية، وفي مقدمها إيران انطلاقاً من كون المنطقة على مشارف مرحلة جديدة سيتم خلالها حسم العديد من المواضع العالقة.

ووضعت هذه الأوساط عملية تسليط الضوء مجدّداً على الإستراتيجية الدفاعية في الأيام الماضية في سياق ردّة الفعل على الكلام الأميركي حول القرار 1701، وذلك في رسالة تؤكد على معارضة أي توجّه أميركي لجعل لبنان يدفع ثمن ترسيم الحدود البحرية والبرية، وباختصار توظيف الترسيم لتنفيذ مخطط أميركي يهدف إلى نزع سلاح المقاومة. وقالت الأوساط، أن إسقاط حجة الترسيم لإسقاط السلاح لن يمر، لأن لهذا السلاح وظيفة هي مواجهة الإرهاب، وهو ما أكده كلام رئيس الجمهورية ميشال عون، عن أن المعطيات قد تغيّرت، ومن ضمنها التوازنات الجديدة في المنطقة والتهديد الإرهابي فيها.

وبالتالي، أضافت الأوساط الديبلوماسية نفسها، أن الموقف اللبناني متمسّك بالحفاظ على توازن الرعب مع «إسرائيل» وعلى مواجهة الإرهاب، لذا، فإن المرحلة المقبلة ستكون حافلة بالرسائل المتبادلة بين بيروت وواشنطن، ذلك أن الإصرار الأميركي على إنجاز عملية الترسيم سيضع العملية في وضع دقيق ومحرج، لأن لبنان سيواجه في حال عدم الموافقة على الترسيم عقوبات وتصعيد وضغط أميركي ودولي من أجل تغيير موقفه.