هل تستطيع الحكومة الاتفاق على إصلاحات بنيويّـة؟

حسن سلامه

بعيداً عن الصراعات السياسية بين كثير من القوى المشاركة في الحكومة، التي تخفت احياناً وتشتعل في معظم الاحيان على غرار ما حصل مؤخراً على خلفية حادثة قبرشمون، يبقى الوضع الاقتصادي والمالي في البلاد، هو الاخطر والاكثر حاجة الى توافق داخلي سياسياً بالدرجة الاولى، ومن ثم الاتفاق على ما هو مطلوب من اجراءات وخطوات ملحة لوضع الملفين الاقتصادي والمالي على سكة المعالجة، تفادياً لمخاطر اشد واكثر وقعاً على البلاد وعلى كل اللبنانيين.

فكل المسؤولين من اعلى المستويات يقرون بالحاجة الى سرعة وشفافية ورضوخ في الاجراءات المطلوبة، فرئيس الجمهورية العماد ميشال عون حذر بعيد وصوله الى المقر الصيفي في بيت الدين من مغبة التلكؤ في تنفيذ الاجراءات المالية التي اتفق عليها في اجتماع قصر بعبدا الاسبوع الماضي، والرئيس نبيه بري جدد دعوته في الساعات الماضية الى اعلان حالة طوارئ اقتصادية، كما ان كل الاطراف المشاركة في الحكومة عبرت بمواقف من اعلى المستويات فيها عن ضرورة حصول اصلاحات سياسية وبنيوية تطال كل السياسات المعتمدة اليوم والتي اوصلت البلاد الى حافة الانهيار.

وقد يكون وزير الاقتصاد منصور بطيش بحسب احد الخبراء الاقتصاديين الاكثر وضوحاً واصراراً في الدعوة الى اصلاحات سريعة وكاملة تطاول السياسات الاقتصادية والمالية ببعدها البنيوي، لمعرفة الوزير بان الاجراءات والخطوات الشكلية من هنا او هناك لم تعد تفيد الواقع المهترىء الذي بلغ حدوداً تهدد بالانهيار، ما لم تسارع الحكومة الى اطلاق خطة متكاملة ليس اقتصادياً ومالياً فقط بل على المستوى السياسي، خصوصاً ان كل اجراء او خطة تتعلق باحد جوانب الازمات التي تواجهها البلاد يتم تعطيلها نتيجة الخلافات والمناكفات السياسية ونتيجة المحاصصات والمحميات بين القوى السياسة وبين الطوائف وما حصل في السنوات الماضية في ملفات مختلفة من خطة الكهرباء، الى ملف النفايات، الى المحميات الاخرى، يؤكد انه دون اصلاح سياسي فكل ما يتم انجازه في الحكومة ومجلس النواب يبقى في معظمه حبراً على ورق، فالرئيس بري «بحّ صوته» وهو يطالب باصدار مراسيم ما يزيد عن اربعين قانوناً اصدرها مجلس النواب ولكن «لا حياة لمن تنادي».

ولذلك يؤكد الخبير المعني ان اي توجهات سواء كانت خطة متكاملة لاصلاح الوضعين المالي والاقتصادي، او معالجات لبعض الملفات كما هي حال ملف النفايات من غير الممكن ان «تبصر النور» دون توافق سياسي داخل اطراف الحكومة، فما حصل ويحصل على مستوى ملف النفايات من الشمال، الى مكبات برج حمود والكوستا برافا والجنوب وكل المناطق تعبير واضح ليس فقط عن عجز الحكومة واطرافها في ايجاد الحلول الشفافة لها، بل استمرار سياسة المحاصصات والسمسرات بين اصحاب النفوذ لجني ارباح خيالية على حساب حياة المواطنين وصحتهم، وما حصل مع شركة «سوكلين» قبل «كف يدها» عن ملف النفايات يتم استكماله اليوم في السياسات المعتمدة من حيث المحاصصات والسمسرات، وبالتالي فكل ما يسعى للقيام به وزير البيئة، حتى لو كانت حلول جزئية ولا تستوفي كامل الشروط البيئية، ستبقى ازمة النفايات تدور في الحلقة المفرغة، اذا لم ينجز الاصلاح السياسي المطلوب على مستوى اداء الحكومة ومؤسسات الدولة.

لذلك يؤكد الخبير المذكور ان كل ما يحكى عن نية من هنا وسعي من هناك لتضمين موازنة العام المقبل بعضاً من الاصلاحات المالية والاقتصادية او دعوة البعض لاقرار خطة مالية اقتصادية على غرار خطة ماكينزي سيقى في معظمه حبراً على ورق، مهما كانت طبيعة هذه الاصلاحات المالية والاقتصادية، ما لم تقترن بانجاز الاصلاح السياسي. وبالتالي فكل ما سيتخذ من اجراءات ستبقى مجرد «مسكنات» على غرار موازنة العام الحالي، حيث هناك استحالة بتخفيض العجز الى 59،6 كما جاء نظرياً في قانون الموازنة، وذلك بسبب غياب الاصلاح السياسي واستمرار منطق المحاصصات والمحميات على انواعها.