الدولة لم تساند المواطن اللبناني، نعم، هذا صحيح ولم تضع قوانين صارمة للحدّ من العمالة الأجنبية، العربية وغير العربية والتي اقتحمت أشغالاً كثيرة وأخذت مكان المواطن اللبناني الذي يريد بناء مستقبله.

كل هذا صحيح... لكن في المنطق، كل هذا غير نافع، لأن المواطن اللبناني مهما كان وضعه الإجتماعي اليوم، يرفض العمل في أعمال معيّنة لا تليق بمقامه، لأن المظاهر هي الطاغية في مجتمعنا وقد تسبّبت بالعدوى لمعظم الناس.

هل رأيت لبنانياً على محطة وقود يعمل مثل غيره من الأشخاص المصريين أو السوريين مثلاً؟ هل سبق أن رأيت شباباً لم يكملوا التحصيل العلمي يعملون في ورش البناء وفي الأرض وفي أعمال يعتبرونها "غير مناسبة" أو أعمال "قديمة" لم تُخلق لهم؟

أكلت المظاهر جزءاً كبيراً من مجتمعنا اليوم، ونقول أن العمالة الأجنبية احتلّت مكاناً كبيراً في سوق العمل اللبناني، وكيف لا تحتلّ وهو لا يرضى العمل لا في البناء، ولا على المحطات، ولا كعامل نظافة لأن ذلك بالنسبة له "كارثة"، ولا يرضى أن يعمل في محلّ ميكانيك كي لا تتّسخ يداه، أو تلك الفتاة التي تحمل الشهادة الجامعية ولا تجد العمل في اختصاصها تعيش البطالة لأنها لا تريد أن يراها أحداً تعمل في محلّ لبيع الملابس، أو في مطعم...

البرستيج يقتلنا، إذ بات العديد من الأشخاص يفضّلون البطالة على العمل في أعمال "لا تليق بهم وبمستوياتاهم" لأنهم يعتقدون أنهم أفضل من غيرهم، وبالتالي يبحثون عن "أعمال محترمة" كي لا تتسخ الأيادي من أعمال "لم تُخلق لهم"!

يؤمن البعض كثيراً بثقافة المظاهر، وهذه هي المصيبة التي وصلنا إليها اليوم، فمن قبل، منذ أيام الأجداد، كان العمل في الأرض والبناء وعلى المحطة وفي كل مكان ومن أي نوع كان من الأعمال المقدّسة، لأنهم كانوا يريدون التعب ليطعموا العائلة من عرق الجبين ومن الجهد الذي بذلوه سعياً لتربية العائلة والأولاد ومنحهم كل المتطلّبات. عملوا بجهد كبير، لكننا تخلّينا عنهم وعن أعمالهم، ورفضنا العمل مثلهم في أي شيء لأننا أحببنا أنفسنا أكثر من الأرض وأكثر من الوطن... بينما هم، أحبوا وطنهم فنظّفوه من الأوساخ، أحبّوا أرضه فاعتنوا بها عناية ليس لها مثيل اليوم.

هكذا كان أجدادنا، لكن اليوم، جزء كبير منا يخضع لسلطة ثقافة المظاهر القاتلة التي رمتنا في حفرة البطالة والعوز والحاجة ووجّهتنا نحو مستقبل مجهول، لأننا نخجل من اتّساخ أيادينا، أو ملابسنا أو أحذيتنا... نخجل من الأعمال "النظيفة" لهذا وهبناها لعمال أجانب يعملون بتعب وجهد ويقدّرون القرش حتى أخذوا أدوار أجدادنا!

وهل يمكن لأحد أن يفسّر لنا كيف نعشق ثقافة المظاهر ونئنّ من البطالة؟