على خطى خوسيه ساراماغو «لماذا يفترض بي أن أعذب كلماتي الى حد البكاء؟». أن تتعذب الكلمات...

أذهب جنوباً، بحثاً عن هنيهة، مجرد هنيهة، من راحة البال، علّني أجد ملاذاً داخل تلك الأدغال التي تدعى «الجمهورية اللبنانية». للتو، يتناهى اليك هدير الـ«MK» ذاك الغراب الذي ينقض على جثتك، على ما تبقى من جثتك، كلبناني، أو كعربي، لطالما عبث بنا الله، ولطالما عبث بنا الأنبياء، ولطالما عبث بنا أئمة المساجد.

الطائرة حلقت فوق رؤوسنا. داخل عظامنا، ربما لتذكيرنا بتلك الأيام الهائلة، حين كانت تصطاد الناس في الطرقات، أو على الشرفات، أو وهم ينقلون موتاهم الى المقابر.

ذاك الحيوان الخرافي، وقد لاحظنا كيف أن آلهة العبريين لا يقلون وحشية عن آلهة الاغريق، أراد تذكيرنا، عشية 14 آب، أي يوم وقف النار، أنه لا يزال هناك من يدوس سيادتنا بقدميه أنّى يشاء. أين هم الذين يرفعون لواء ذلك المفهوم الفولكلوري للسيادة، وحيث يفترض أن نكون راقصات المعبد. هنا راقصات الهيكل؟

سيادة؟ من المحيط الى الخليج، سوق النخاسة مشرع أمام كل أباطرة القرن، أمام كل صعاليك القرن...

وعليك أن تتذكر 14 آب. الداخل الى الضاحية، اياه الداخل الى هيروشيما. الطائرات الاسرائيلية كانت تطحن الأبنية فوق أهلها. الكثيرون تشتتوا في أرجاء الجمهورية أو قطعوا الحدود الى سوريا، بعدما كان السيناريو يلحظ اجتثاث كل أهل الجنوب، واقامة المنطقة الآمنة، وكل أهل الضاحية كي لا ينزعج أصحاب القامات الفاخرة من ذلك الذباب البشري.

آنذاك، كصحافي، كنت أتابع الشاشات، والصحف، على أنواعها. كنت اسأل : أين هو ذلك «البغل» الذي يدعى المجتمع الدولي الذي يتأثر لخدش في حائط «اسرائيلي». كل العرب، وكل الغرب، كانوا يراهنون على ألاّ يبقى من أثر لمن يرفع القبضة، أو يرفع الحجر، أو يرفع البندقية، في وجه الآتين من ميتولوجيا الكراهية.

شلومو صاند، وهو يرى ما يرى، كتب عن «ليلة القبض على الله». القاذفات تطارد عربات الاسعاف، والسيارات التي تكدس الأطفال داخلها، أو وهي تطلق القنابل الفوسفورية (الباهرة) على حقول القمح، وعلى حقول الزيتون.

أي قيمة للكلمات ان لم تتعذب، اي قيمة للأصابع ان لم تذرف الدموع أو ان لم تنزف الدم ؟ في هذا اليوم، تحية الى شارل أيوب، الزميل العزيز، والزميل الكبير، الذي أتاح لي أن أفجر كلماتي في وجه تلك الظواهر الغرائبية التي تجثم فوق أكتافنا . التي ترى في الجمهورية... عربة الموتى!

في 13 آب، أحسست بالغراب يأكل ما تبقى من جثتي. في 14، ذهبت على قدمي الى هيروشيما. الآن، اشعر بأننا، بمنازلنا المحطمة، وبدفاتر أطفالنا المبعثرة بين الحجارة، قهرنا الجيش الذي لا يقهر...

أكثر من ذلك. أمام تلك البانوراما العربية، ونحن جزء منها، الاسرائيليون ليسوا أعداءنا، حتى ولو وضع بنيامين نتنياهو القنبلة النووية تحت وسادته، حتى ولو قال رافاييل ايتان «العربي الجيد هو العربي الميت»، حتى ولو لم ير فينا الأحبار سوى الديدان البشرية التي على «الملائكة المدمرة» محقها. العرب وحدهم أعداء العرب.

14 آب. دعونا نرفع رؤوسنا. سكان القبور يرفعون رؤوسهم أيضاً. هل من داع لأردد ما قاله الكاتب الاسرائيلي ديفيد غروسمان، وقد فقد ابنه في وادي الحجير، حول الميركافا التي تنتحب. اللبنانيون من جعلوا الفولاذ ينتحب، ثم يوجد من يعترض، ومن يتواطأ، ضد أي قوة تمكننا من الوقوف (كأشجارنا) في وجه ياجوج وماجوج؟

السيادة أن تبقى الـ«MK» بنعيق الغراب، فوق رؤوسنا، وأن تأكل ما تبقى من جثثنا. الآخرون (نحن الآخرون) لنا مفهومنا الآخر للسيادة. أن نقهر الجيش الذي لا يقهر...